مهلاً... قرارات مجلس الوزراء لم تصبح نافذة بعد!

القطاع الخاص غير معني بزيادة 200 ألف ليرة على الأجور، أمّا العاملون في القطاع العام فعليهم الانتظار طويلاً حتى يتم إقرار القانون في المجلس النيابي المقفل، والأهم أن قرار الزيادة المقطوعة لم يقترن بتاريخ محدد لتطبيقها، أي لا مجال للرهان على المفعول الرجعي... ألا يذكّركم ذلك بفروق سلسلة الرتب والرواتب

محمد زبيب

أثبت الفريق المسيطر على الحكومة حالياً، قدرة فائقة على التسويق لقرارات لا تنفّذ غالباً، وفرض التعامل معها كما لو أنها أصبحت واقعاً ملموساً، هذا ما ينطبق كثيراً على قرارات مجلس الوزراء الاخيرة في شأن الأجور... ولكن قراءة سريعة ومبسّطة لمضمون هذه القرارات وآلياتها، تدفع الى الاعتقاد بأن ما قرّره مجلس الوزراء في هذا المجال، لم يكن إلا غطاءً لقراراته الاخرى في المجالات السياسية والامنية والادارية، ومحاولة لإجهاض التحرّكات التي قامت بها النقابات العمالية المدعومة من قوى المعارضة.
فما الذي قرره مجلس الوزراء بعد جلسته الطويلة بتاريخ 5/5/2008؟
أولاً، رفع الحد الادنى للاجور من 300 الف ليرة الى 500 الف ليرة، اي بزيادة 200 الف ليرة، او ما نسبته 60 في المئة، وتعد هذه النسبة قريبة من متوسط معدّلات ارتفاع الاسعار العام منذ آخر مرسوم صدر لتحديد الحد الادنى للاجور عام 1996، الا انها لم ترفع الحد الادنى للاجور الى مستوى تغطية الحاجات الغذائية للاسر الفقيرة، التي يعبّر عنها خط الفقر المدقع، والمقدّرة بحوالى 500 دولار شهري، كما لم تغط متوسط ارتفاع اسعار المواد الغذائية (80%) التي تستنزف الجزء الاكبر من ميزانيات استهلاك هذه الاسر الفقيرة... ويبقى الاهم ان قرار مجلس الوزراء لم يقترن فوراً بتوقيع المرسوم الخاص في هذا الشأن، بل جرى الاعلان عنه في ظل استبعاد تام لرأي وزير العمل الذي سيمتنع عن التوقيع على اي مرسوم يصدر عن هذه الحكومة، وبالتالي لا مؤشر جدّياً حتى الآن على امكان تنفيذ ما تم الاعلان عنه قريباً.
ثانياً، اعطاء زيادة مقطوعة على رواتب العاملين في الادارات والمؤسسات العامة والبلديات بقيمة 200 الف ليرة، وتكليف وزير المال إعداد مشروع القانون مع مصادر التمويل اللازمة... وهذا الاعلان يستدعي الملاحظات التالية:
أ ـــــ إن الزيادة المعلنة على الاجور لم تشمل القطاع الخاص، وقد ابلغ رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ممثلي اصحاب العمل بأن قرار مجلس الوزراء ينحصر بالقطاع العام، وبالتالي فإن تنفيذه في القطاع الخاص هو غير إلزامي، بل يجب على كل صاحب عمل أن يستنسب مقدار الزيادة التي سيطبّقها على اجور العاملين لديه! أي إن الحكومة لن تصدر اي مرسوم يتعلّق بتصحيح الاجور في القطاع الخاص، وهذه سابقة تُسجّل لاول مرة في لبنان، وهي تستجيب لمواقف اصحاب العمل الذين يرفضون اي تدخّل للحكومة في ملف الاجور.
ب ـــــ رُهن تنفيذ الزيادة المقطوعة على اجور العاملين في القطاع العام بإقرار قانون في هذا الشأن في المجلس النيابي، علماً بأن هذا المجلس لن ينعقد قريباً الا في اطار تسوية سياسية غير متوقّعة على المدى المنظور، ولا سيما بعد القرارات السياسية والامنية التي اتخذها مجلس الوزراء اخيراً، وكان يمكن للحكومة، لو انها صادقة، أن تبدأ فوراً بتنفيذ الزيادة عبر سلفات على الرواتب، تماماً كما فعلت لتغطية إنفاق مئات مليارات الليرات على بنود مستجدّة لا تنطبق عليها القاعدة الاثني عشرية المعتمدة للانفاق العام في ظل عدم وجود الموازنات منذ عام 2006، او كما فعلت في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة بتثبيت 7500 عنصر في قوى الامن الداخلي من دون ان تكون هناك اعتمادات مالية لتغطية رواتبهم.
ج ـــــ ان تكليف وزير المال جهاد ازعور (الذي خبط على الطاولة مهدداً بالاستقالة اعتراضاً على رفع الحد الادنى للاجور والزيادة المقطوعة على الاجور بهذا القدر) بالبحث عن مصادر التمويل لتغطية كلفة هذه الزيادة، يذكّر بانتظارات العاملين في القطاع العام للحصول على حقوقهم من فروق سلسلة الرتب والرواتب المقرّة بموجب قانون منذ عام 1998.
د ـــــ لم يرد في القرارات المعلنة أي ذكر لتاريخ سريان الزيادة المقطوعة، أي إن الحكومة لا تنوي تسديد اي مفعول رجعي، وإذا تاخّر اصدار القانون لمدة سنوات، فإن العاملين في القطاع العام لن يحصلوا على شيء في هذه الاثناء، وستبقى اجورهم تتآكل بفعل التضخم المنفوخ موضوعياً واصطناعياً واستباقياً في لبنان.
هـ ـــــ ان زيادة 200 الف ليرة مقطوعة على اجور العاملين في القطاع العام حصراً، لم تراع معدّلات ارتفاع الاسعار منذ عام 1996 الذي أدى إلى خسائر بنسبة 60 في المئة في القدرات الشرائية.
ثالثاً، زيادة 100 ألف ليرة مقطوعة على معاشات التقاعد في القطاع العام، وهذا ينم عن تمييز كبير ضد الذين خدموا في القطاع العام سنوات طويلة، وهم يعانون اليوم من أجور تقاعدية هزيلة جداً جعلت من معظم هؤلاء في عداد الفقراء.


عدد الخميس ٨ أيار ٢٠٠٨