انفلات الشارع يهدّد الأمن الغذائي!
يتبّضعون خوفاً من المجهولقد يكون المشهد طبيعياً: في أوقات الأزمات الأمنيّة، «الأهليّة» في هذه الحالة، يهرع المواطن للتزوّد بالمواد الغذائيّة... المحال التجاريّة في المناطق الآمنة من بيروت حضنت أمس، طوابير الخائفين من نقص إمدادت السلع الاستهلاكيّة، والمتوجّسين من انعكاس تدهور أقسى حدّة لـ«الانقسامات
الطائفيّة» على الأمن الغذائي
حسن شقراني
اصطفّت الميليشيات عند خطوط التماس المستجدة، ما كان منتظراً منذ فترة، ضاع اللبنانيّون في تحديدها، بدأ يتحقّق: إعادة رسم لجغرافيّة الانقسامات (مذهبيّة وطائفيّة). رصاص وحجارة ونيران وقنّاصة وأمن عالق في المنتصف.
اصطفاف من نوع آخر يظهر بالتوازي مع التوتّر الأمني الميليشياوي: لبنانيّون في طوابير قياسيّة يتزوّدون بالمواد الغذائيّة. يتموّنون تحضيراً لـ«الأسوأ» المقبل. حتّى لو تدهورت الأمور كلياً في الشارع، لا بدّ من الحفاظ على الأمن الغذائي المنزلي. فإذا كان «لا بدّ من حسم عسكري»، فلا بدّ أيضاً من الإبقاء على الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش في الوقت نفسه. الحدّ الأدنى يؤمَّن عبر التموين.
«اعتدنا على ذلك كلّما توتّرت الحالة الأمنيّة»، يقول رئيس نقابة الصناعات الغذائيّة في لبنان، جورج نصراوي. فاللبناني الذي اعتاد على بلاده مشتعلة جزئياً أو على شفير الاشتعال الجزئي، في كلّ مرّة يقضّ فيها اغتيال أو اشتباك بين مسلّحين «غاضبين» مضجعه، يهرع نحو محال المواد الغذائيّة. ردّة فعل طبيعيّة... غرائزيّة.
ولكن إذا استمرّ هذا الاقتتال السياسي العسكري على هذا المنوال، أو حتّى تدهورت الأمور لتصل إلى أكثر من ذلك، هل هناك ما يكفي من مواد غذائيّة لتلبية المطلوب بغزارة؟ نصراوي يشير إلى أنّ مخزونات الصناعات اللبنانيّة تكفي في العادة حتّى 3 أشهر إذا انقطعت الإمدادت كلياً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سوق المواد الغذائيّة. فالمؤسّسات معتادة على تخزين كميات تكفي لشهرين، إذا توقّفت حركة الواردات.
وإذا تطوّرت الأمور باتجاه إقفال «مزمن» للمطار، يمكن اللجوء إلى الملجأ الآمن حتى الآن: المرفأ. فبحسب نصراوي، ما دام المرفأ مفتوحاً، يمكن الاعتماد دوماً على تأمين النقص المتوقّع في المواد الغذائيّة من قبرص.
أمين سرّ جمعيّة تجّار بيروت، منير طبّارة، يتحدّث عن أنّ الوقت لا يزال باكراً جداً لكي تنهار الأمور كلياً، ولكن على الرغم من ذلك، يشير إلى الصورة السوداويّة التي يرسمها عدم تمكّن أصحاب المصانع من الوصول إلى أعمالهم، وهو الأمر الذي إذا استمرّ أكثر من شهرين سيطلق من دون شكّ القلق في شأن مدى إمكان الإبقاء على إنتاج السلع محلياً.
وإلى جانب السلع الغذائيّة، تهافت سكّان العاصمة على شراء المنتجات الزراعيّة الطازجة، وتزامن هذا الأمر مع إقدام «متظاهرين» على قطع طريقي البقاع والجنوب، ما يهدّد بنقص الإمدادت من الخضار والفواكه.
على صعيد آخر، نبّه طبّارة إلى خطر يحدق بالقطاع الصحّي. فقد أشار في حديثه لـ«الأخبار» إلى أنّ العديد من المستشفيات بدأت تعرب عن مخاوفها في شأن الإمدادت بالأمصال وبالـ«سيروم» الطبّي، غير أنّ نقيب أصحاب المستشفيات في لبنان، سليمان هارون، أوضح أنّ المخزون الاعتيادي من الأمصال لدى المستشفيات والمراكز الصحيّة، يكفي لما بين أسبوع وأسبوعين، في حالة انقطاع الإمدادت، مشيراً إلى أنّ أياً من المستشفيات لم تتّصل لتبلغ عن نقص مخزونها.
مع استمرار التوتّر في الشارع اللبناني، وتوجّس الكثيرين من إمكان تدهور الأمور لدرجة تتحوّل عندها بعض المناطق الآمنة، حيث لا تزال أبواب المحال التجاريّة مفتوحة، إلى بؤر توتّر أمني، يزداد قلق المواطن اللبناني والعائلات من إقفال تام... فقد شهد اللبناني أزمة الخبز خلال الفترة الأخيرة، ويخشى حالياً من أزمة غذائيّة كليّة.
الميليشيات اصطفّت لتحوِّل المواد الغذائيّة لدى البعض إلى سلع نادرة، تماماً كالأمن.




