قرار تصحيح الأجور: الحلول في مكان آخر

عبد الحليم فضل الله
وأخيراً اعترفت السلطة بوجود مشكلة أجور، كان بوسعها الانتظار وقتاً أطول، نظراً إلى ضعف موقع الأجراء والموظفين داخل هيكل الإنتاج، ولأنّ المسألة الاجتماعية برمّتها ما زالت مربوطة بقدر سياسي صارم، يمنعها من التأسيس للأحداث أو التأثير على مسارها. لكن القرارات الرسميّة الأخيرة مثّلت نقلة جديدة في استخدام القضايا المعيشية والمطلبية، وخلطاً غير مسبوق بين الشأنين السياسي والاجتماعي، فقد سعت بضربة واحدة إلى تحقيق أمرين: تمرير قرارات اجتماعية منقوصة بغطاء سياسي، واتخاذ قرارات سياسية شديدة الخطورة والرعونة تحت مظلّة تلبية مطالب شعبية، لعلّها تنجح في جمع حججها داخل سلّة واحدة فتستقوي بها على الخصوم وتشحذ آلة حربها في لحظة وطنية شديدة الحرج.
ومع ذلك، هل يعبّر قرار السلطة عن تعديل في قناعتها المعروفة بأنّ الأجور عبء على الإنتاج؟ وهل هي في صدد رسم سياسات للأجور تتصف بالديمومة وتقوم على معيارين اجتماعي واقتصادي في آن؟ إنّ أي سياسة كهذه يجب أن تطمح إلى تحقيق التالي: من ناحية رفع مستوى الأجور على نحو يتناسب مع الإنتاجية، وترميم حصة الأجور من الناتج القومي لتعود إلى ما كانت عليه في نهاية طفرة إعادة الإعمار عام 1996، ومن ناحية ثانية تثبيت صمام الأمان الاجتماعي الذي انتزعته أو كادت موجة التضخم المتصاعدة.
في المسألة الأولى، ليس هناك إحصاءات دقيقة لاحتساب التغيرات المقارنة بين الأجر والإنتاجية، لكن لدينا رقمين تقريبيين: زيادة المعدل الفردي للأجر حوالى 2% فقط في الفترة 1998ـــ2004، ونمو الإنتاجية 27% تقريباً في الفترة نفسها. وبما أنّ التغير في الكلفة الحقيقية للعمالة يساوي التغير النسبي في الأجر الفردي ناقص التغير النسبي في إنتاجية العامل الواحد، فالنتيجة هي تراجع الكلفة الحقيقية لليد العاملة بمعدل 25%.
يمكن الوصول إلى الاستنتاج نفسه عبر مقارنة ما آلت إليه حصة الأجور من الناتج، فقد انخفض نصيب «الأجور والمداخيل الأخرى»، من 76.75% تقريباً من الناتج المحلي الصافي إلى 71%، ونظراً إلى حصول تحسن في حصة «المداخيل الأخرى» أي الأرباح، يقدّر بحوالى ثلاث نقاط حسب بعض المؤشرات، فهذا يعني أن التراجع في حصة الأجور من الناتج الصافي لامس 9 نقاط مئوية. وفي المقابل، نمت حصة الفوائد التي تؤديها المؤسسات لأصحاب رؤوس الأموال والفوائد التي يتحملها القطاع العام على سندات الخزينة (التي تدخل في إطار إعادة التوزيع)، لتوازي ربع الناتج تقريباً، ويتوقع أن تكون موجة التضخم الراهنة قد ألحقت مزيداً من الضرر بأصحاب الأجور مقارنة بأطراف الإنتاج الأخرى التي تتمتع بقدرة أكبر على ترحيل الزيادة في التكلفة نحو العمال ونحو المستهلكين.
ولو افترضنا أن الزيادة المقررة طبقت بأسرع وقت وبأفضل صورة، وتجاوزت التعقيدات السياسية والإدارية التي تنتظرها، فهي لن تؤدي إلى تحسن كبير في نسبة كتلة الأجور من مجموع المداخيل، ولن تتعدى الزيادة في أحسن الأحوال ثلاث نقاط مئوية من الناتج، كما أنها لن تقلص كثيراً الفارق بين نمو الإنتاجية ونمو الأجر.
في المسألة الثانية، تمثّل الزيادة المقررة ما بين 12% و15% من متوسط الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، أي إنها توازي تقريباً معدل التضخم في الأشهر الثلاثة الماضية، وهي مهددة بالتآكل خلال فترة زمنية قصيرة نظراً إلى منحى الأسعار التصاعدي والتوقعات التي تشير إلى اتساع ظاهرة الركود التضخمي في العالم خلال العام الجاري. ولا تأخذ هذه الزيادة بعين الاعتبار إعادة التوزيع العكسية التي حصلت طوال الفترة التي شهدت تجميداً للأجور. حيث تظهر دراسة أوضاع الأسر حصول التواء خطير في السلّم الاجتماعي في لبنان خلال الفترة 1995ـــ2004، ربما يكون قد تفاقم الآن. فقد ارتفعت نسبة العائلات التي تتلقى دخلاً شهرياً لا يلبي احتياجاتها الأساسية من 30% إلى 52%، وترتفع هذه النسبة إلى 73% (مقابل 51% عام 1995) إذا احتسبنا أيضاً العائلات التي تعيش على حدود خط الفقر.
بالمحصلة، إن الزيادة المطروحة لا تحقّق أياً من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المفترضة في أي سياسة متوازنة، إن لجهة تحسين نصيب كتلة الأجور من الناتج، والربط بين الأجر والإنتاجية، أو لناحية الحفاظ على مستوى مستقر للأجر الحقيقي والمساهمة ما أمكن في تقويم اعوجاج السلّم الاجتماعي. إن أي قرار لتصحيح الأجور يتوخى تحقيق هذه الأهداف، ويراعي في الوقت نفسه متطلبات الحذر المالي والاقتصادي ومصالح كل الأطراف، كان عليه أن يتضمن التالي: زيادة قد تصل إلى ضعف الزيادة المقررة وتطال شطور الأجر كلها، سلّة موازية من التقديمات الاجتماعية الإضافية للأجراء ومن التقديمات الاقتصادية والحوافز والإعفاءات للمنتجين، إجراءات فعّالة لخفض تكاليف الإنتاج ووضع حد للزيادات على الأسعار الناشئة من قوة المحتكرين. أما تمويل الزيادة على رواتب القطاع العام وأجوره التي تتراوح بين 250 و300 مليون دولار أميركي سنوياً، فينبغي أن لا تعيد تدوير الزيادات لغير صالح المستفيدين منها، بل يجب أن تطال الأوعية الضريبية التي استفادت من إعادة التوزيع العكسية والمستثناة رغم اقتدارها من أي ضرائب ملموسة.
إن نقص المسؤولية الذي يطبع أداء السلطة تجاه القضية الاجتماعية هو نفسه الذي يميّز أداءها في المسائل الأخرى، وعلى عاتقها تقع مسؤولية تراكم الضغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة في النقطة نفسها تقريباً، وحيث إن المأزق الاجتماعي لا يمكن الخروج منه دون ترتيبات سياسية ملائمة، والمأزق السياسي يتطلب في ما يتطلبه طريقاً اجتماعياً آمناً، فإنّ ما نحن بحاجة إليه هو سلطة جديدة تمتزج داخلها مصالح كل الأطراف وتلتقي عندها إرادة الجميع.



تمويل الزيادة في القطاع العام ينبغي أن لا يعيد تدوير الزيادات لغير صالح المستفيدين منها، بل يجب أن تطال الأوعية الضريبية التي استفادت من إعادة التوزيع العكسية والمستثناة


عدد الاثنين ١٢ أيار ٢٠٠٨