كورنيش البحر يستعيد عشّاقه وشيئاً من الحياة الطبيعية
راجانا حمية
كورنيش البحر... ما أحلى الرجوع إليه (مروان بو حيدر)... وعاد «الكورنيش» إلى حياته، لم تفلح الأحداث التي عاشتها شوارع بيروت من إزاحة البحر عن عرشه، لم يغب عنه بعض روّاده...حتّى «وقت الحزّة». في الجولة الأولى على كورنيش عين المريسة، بعد ثلاثة أيّام من الرصاص، لم يكن المشهد عند بحر العاصمة يشبه شوارعها، وكأن الشاطئ لم يعش الحرب نفسها... أو أنّه لم يعشها، أقلّه من وجهة نظر «العم حسن»، الذي لم يفارق حياته هناك منذ ما قبل الحرب الأهلية عام 1975. لم يكترث العم «الصيّاد» لأيّام «الحرب» الثلاثة، ولا «لما سيأتي إن أتى»، فالحياة التي بدأت في «عزّ» الأزمات عند بحر بيروت «لن يغيّرها حدث نعيشه في كلّ يوم». العمّ حسن لم يكن وحيداً في حبّه للبحر، ثمّة أشخاص آخرون ممّن عشقوه لم يتركوه أيضاً خلال هذه الأيّام، فكانوا زوّاراً دائمين له «وإن كان من بعيد»، بعدما منعت قوى الجيش اللبناني والأشرطة الحمراء المرصوفة عند الكورنيش المرور خوفاً عليهم من الموت برصاص قنّاصٍ أو اشتباك. ولكن رغم كلّ هذا الخوف، لم يجد بسّام عواضة مفرّاً من اجتياز كلّ الطرق المقطوعة و«خطوط التماس» من الضاحية الجنوبيّة لبيروت للاستمتاع بـ«كزدورة» على الكورنيش.
يعرف بسّام أنّ المخاطرة ليست محسوبة في تلك الأجواء، ولكنّه يعرف أيضاً أنّه لا يستطيع التخلّي عن البحر، فمنذ كان في الرابعة عشرة من عمره، أي منذ عشرين عاماً، يقصده، لأنّه «بتحرز 20 سنة ليصير البحر بدمّي».
إن كان العم حسن وبسّام قد اختارا بإرادتيهما أن يقصدا الكورنيش «مهما تكن الأوضاع»، إلاّ أنّ الكورنيش خلال الأيّام الماضية اختبر الوحدة، بعدما انقطع عنه غالبيّة روّاده، وإن عادوا أمس ـــ في اليوم الأوّل للهدنة ـــ إلّا أنّ العودة لم تكن على ما يرام مقارنة بـ«أيّامه العاديّة»، ومعظم زوّار أمس كانوا مسكونين ببعض الخوف ممّا قد يحصل، رغم فرحتهم باسترجاع أوقاتهم الجميلة في محلّاتٍ ومقاهٍ بدأت بفتح أبوابها تدريجيّاً، وممارسة هواياتهم من الصيد والرياضة والسباحة والركض... ولقاء الأحبّة.
عند الكورنيش أمس، لم يصدّق الزوّار أن العودة ستكون سريعة، ولكنّهم في الوقت نفسه، لم يصدّقوا أنّ كلّ شيء انتهى، إذ يصف البعض أنّ هذه العودة «ليست طبيعيّة ولا شبه طبيعيّة».
هل يُعقل أن نشهد صباحاً آخر شبيهاً بصباحات الأيّام الثلاثة الماضية؟ سؤال لا يغيب عن زوار الكورنيش، يجيبون عليه بـ«ربّما، ونعم»، ويقول عماد الذي لم يترك الكورنيش أبداً «أتينا الآن إلى الكورنيش، ولكن من يضمن لنا العودة مساءً أو في اليوم التالي، وخوفنا ليس من اليوم بل من اللي بعده». رغم المخاوف لا يغيب الأمل بعودة الكورنيش إلى سابق عهده، إذ يتوقّع بعض «المياومين» على الكورنيش أن يستعيد الشارع حركته العاديّة خلال ساعات.




