المستقبل ينتقم شمالاً: «مجزرة» في حلبا وإحراق مقارّ في طرابلس

عناصر مسلحة لتيار المستقبل في شوارع طرابلس (رويترز)عناصر مسلحة لتيار المستقبل في شوارع طرابلس (رويترز)
انتقل التأزّم السّياسي وتداعياته الأمنية الخطيرة بين قوى الموالاة والمعارضة من بيروت إلى الشّمال، وتحديداً إلى طرابلس وعكّار، وتفاعلت الأمور على نحو ينذر بانفجار الأوضاع بشكل واسع ومخاوف من ردود ثأرية

طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
عكار ـ خالد سليمان
بعد الهدوء النسبي في العاصمة، انتقلت الفوضى الأمنية إلى الشمال، فبدأ مناصرو «تيّار المستقبل»، عبر جناحهم العسكري «أفواج طرابلس»، بالسعي إلى محاولة تحقيق نصر على قوى المعارضة، يعوّضهم انهيارهم في المناطق الأخرى. وفي هذا الإطار، باشر مسلّحو المستقبل «حربهم» منذ أول من أمس السبت، حيث توجّهوا إلى مراكز ومقارّ وبيوت شخصيات سياسيّة ودينية معارضة، عاثوا فيها فساداً، فخرّبوها وأحرقوا محتوياتها، قبل أن يعمدوا إلى الاعتداء على مواطنين موالين لقوى المعارضة، وخصوصاً الشيعة منهم في محلة باب الرمل في قضاء الكورة.
بعد عصر السبت، هاجم عشرات من مناصري المستقبل مقرّ حزب البعث في طرابلس، فخلعوا أبوابه ونوافذه ورموا محتوياته وسط الشّارع قبل إحراقها، وانتقلوا بعدها إلى مكتب النّائب السّابق عبد الرحمن عبد الرحمن الذي كان خالياً بدوره، فأعادوا العملية نفسها.
ثمّ إلى باب الرمل، حيث اقتحموا منزل مسؤول «حزب الله» في الشّمال وعضو مكتبه السياسي محمد صالح ومكتب هيئة دعم المقاومة، ومكتب المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله، والتي نالت نصيبها من التخريب. كما تم الاعتداء على مكتب «التيّار الوطني الحرّ» في مدينة الميناء، وعلى حسينية قيد البناء في محلة القبّة.
إلا أنّ التطوّر الأمني الأبرز تمثّل في اندلاع مواجهات عنيفة، بين مسلحي «الحزب العربي الديموقراطي»، الذي يرأسه النّائب السابق علي عيد، ومسلّحي المستقبل في منطقتي باب التبّانة ذات الغالبية السنّية، وجبل محسن ذات الغالبية العلوية، والتي امتدت حتى صباح الأحد، واستخدمت فيها الأسلحة الرشّاشة وقذائف الهاون والـ«آر. بي. جي» ورصاص القنص، وأدّت إلى مقتل مروى محمد ناصر (16 عاماً) في محلة الزاهرية برصاص طائش، وإصابة خمسة أشخاص بجروح، فضلاً عن تعرّض عدّة بيوت ومحال تجارية للقصف أو للاعتداء والسرقة والحرق.
وتزامن الجو المشحون مع انتشار مسلّح لمناصري المستقبل على الطريق الدولية في البدّاوي والمنية، وإقامتهم حواجز دققوا فيها بأسماء وطوائف ومذاهب العابرين، الذين تعرّض عدد منهم للإهانات والضرب، قبل أن يُقدم المسلحون على إطلاق النّار على باص كان يقلّ عمّالاً سوريين، فقتلوا ثلاثة منهم وجرحوا سبعة آخرين.
في موازاة ذلك، سجّلت الاشتباكات العنيفة التي وقعت بين مسلحي الحزب السوري القومي الاجتماعي والمستقبل في حلبا ــــ عكّار، وقوع العدد الأكبر من القتلى والجرحى في الشّمال، إذ سقط فيها 14 قتيلاً (10 للقومي و4 للمستقبل)، وأكثر من 20 جريحاً.
وإذ تضاربت رواية الطرفين حول أسباب اندلاع الاشتباكات، فإنّ أجواء الاحتقان التي سادت المنطقة بسبب أحداث بيروت، رفعت من حدّة التوتر فيها، وخصوصاً بعدما دعا مفتي عكّار الشيخ أسامة الرفاعي إلى اعتصام تضامني مع أهل العاصمة في ساحة حلبا، حيث يوجد مقرّ للقومي فيها، ما أدّى إلى اشتعال اشتباك، أدّى بداية الأمر إلى سقوط قتيل و12 جريحاً، قبل أن تتوسّع دائرته لاحقاً، بعدما أخذ الاشتباك طابعاً عشائرياً على حساب الطابع السياسي، وهو الأمر الذي أدّى إلى قيام مسلحين بمهاجمة مكتب القومي بعد محاصرته، في معركة استمرت عدّة ساعات.
وفي هذا الصدد، قال رئيس الحزب السوري القومي علي قانصو إن «عصابات تيار المستقبل استغلوا وقف النار بعد سبع ساعات من المواجهة وتسلّلوا إلى الباحة الخارجية للمقر وأطلقوا النار على العناصر العزّل بطريقة وحشية تذكّرنا بالطريقة التي اعتمدها فتح الإسلام مع الجيش اللبناني». ووضع قانصو «مجزرة حلبا بين أيدي القضاء اللبناني... الذي إذا اعتمد التسويف والمماطلة نزولاً عند طلب الفريق الحاكم فحينها سيكون لنا موقف آخر».
فيما اتّهم منفّذ عكّار في الحزب، عبد الباسط عباس، الشيخ الرفاعي بالوقوف وراء هذه الأحداث عبر تحريض المواطنين على احتلال مكتب القومي وإحراقه.
من جهته، قال منسق تيار المستقبل في عكار حسين المصري إنّ «ما حصل في حلبا هو تنفيس عن ضغط شعبي عفوي شعر به المواطنون العكاريون لما حصل من أحداث في اليومين الماضيين والاعتداءات على ممتلكات تيار المستقبل في بيروت».
وفي بيان صادر عن مجموعة الشهيدين محمد سليم وحبيب كيروز، حمّل من خلاله النائب سعد الحريري والرئيس فؤاد السنيورة شخصياً المسؤولية المباشرة عن «المجزرة الجديدة البربرية في حلبا»، وطالبهما البيان بـ«الاعتذار عنها وتسليم القتلة، وإلا فالأيام بيننا وبينكم، بغضّ النظر عن أي تسوية سياسية في البلاد، ويمكنكم أن تسألوا رياض الصلح وبشير الجميل».


عدد الاثنين ١٢ أيار ٢٠٠٨