أيّ مستوى سيبلغه سعر النفط؟
مرحلة «إعادة هيكلة الأسعار» بدأت وحان وقت استغلال «الثروة»
مسؤولون سعوديّون يرحّبون ببوش لدى وصوله إلى الرياض (ج. واطسون ــ أ ف ب)العوامل الكامنة وراء ارتفاع أسعار النفط تختلف بحسب المصلحة لدى المصدّرين والدول المستهلكة. ولكن هذه المرحلة التي تشهد تسجيل النفط أسعاراً قياسيّة، تفيد أنّ ما يحدث ليس نتيجة فقّاعة كليّة (ارتفاع «غير منطقي» في الأسعار)، بل يعكس رؤى جديدة تتبنّاها الواحات النفطيّة تحضيراً لمرحلة تكون فيها الندرة أكثر قساوة
حسن شقراني
في تقريره الأحدث عن حركة أسعار النفط خلال النصف الثاني من العام الجاري (صدر يوم الجمعة الماضي)، قال المصرف الاستثماري المرموق، «غولدمان ساكس»، إنّ سعر البرميل سيرتفع إلى 141 دولاراً، وذلك بعدما كان توقّعه السابق يفيد أنّ السعر سيكون 107 دولارات. وعزا المحلّلون في المصرف هذا التطوّر إلى أنّ السوق تشهد «إعادة هيكلة للأسعار»، وهي عمليّة ستستمرّ وقتاً ليس قصيراً.
وبحسب هذا التحليل فإنّ المنظومة التي تحدّد على أساسها أسعار النفط، والتي يحاجج المصدّرون بأنّها تحت سيطرة «المضاربين» فيما تقول الدول الصناعيّة المستهلكة إنّ العامل المحدّد فيها هو كميّة المعروض غير الكافية، تخضع حالياً لولادة جديدة، ممنهجة في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى تحت وطأة الاضطرابات اليوميّة (جيوسياسيّة في بعض الأحيان، مثل الحال في الشرق الأوسط، وفي أحيان أخرى أمنيّة، كالتطوّرات التي طرأت على البنية التحتيّة لإنتاج النفط في نيجيريا في الفترة الأخيرة).
وهذه الولادة الجديدة يرسم معالمها عنصران: 1 ـ شعور البلدان المصدّرة للنفط وعلى رأسها بلدان «أوبك» بمدى الأرباح التي كان من الممكن تحقيقها خلال العقد الأخير من القرن الماضي. فقد أعادت «غزارة» البترودولار التي أمّنها ارتفاع سعر برميل النفط من 25 دولاراً إلى 127 دولاراً خلال السنوات الخمس الماضية وحدها، نوعاً من المنطق الخارج عن تأثيرات الاعتبارات السياسيّة، إلى حسابات البلدان المصدّرة: تشعر السعوديّة مثلاً بمدى قدرتها على الإبقاء على أسعارها مرتفعة من أجل استغلال أكبر جدوى من المردود.
2 ـ النفط سيبقى خلال القرن الحالي، أو على الأقلّ خلال الستين عاماً المقبلة منه، المصدر الأساسي للطاقة على الأرض، وذلك في ظلّ التلكّؤ في إنتاج بدائل له (في الوقت الحالي)، وسببه عدم قدرة تلك البدائل على سدّ الحاجات التي يرويها.
■ رفع الإنتاج سياسياً
حاولت الولايات المتّحدة، المستهلك الأكبر للنفط في العالم (أكثر من ربع إنتاجه البالغ 88 مليار دولار مخصّص لاقتصادها)، منذ بداية العام الجاري، حين تخطّى سعر النفط حاجز الـ100 دولار للبرميل، التأثير على «أوبك» من خلال الضغط على البلد الأساسي فيها، السعوديّة. فتوالت زيارات المسؤولين الأميركيّين إلى الرياض: وزيرا الخارجيّة والدفاع كوندوليزا رايس وروبرت غايتس، وزير الطاقة سامويل بودمان، وحتى الرئيس جورج بوش. وبعدما فشل الأخير في جولته الأولى في تغيير موقف «شيوخ النفط»، الذي يؤكّد عليه مراراً وزير الطاقة السعودي علي النعيمي (معاتبة أو حتى توبيخ «من يشكّكون في ممارساتنا وسياساتنا المتعلّقة بالنفط»)، حظي بـ«فتات ترضية» الأسبوع الماضي، خلال وجوده في الشرق الأوسط. فقد وافقت الرياض على زيادة إنتاجها من النفط 300 ألف برميل يومياً، ليصبح إنتاجها اليومي 9.4 ملايين برميل. وهي خطوة عزاها المسؤولون السعوديّون إلى ضرورة مواكبة زيادة الطلب المتوقّع في حزيران المقبل، لا نتيجة ضغوط واشنطن الراغبة في إراحة المستهلك الأميركي، (أصبحت آلاسكا الولاية الأميركيّة الأولى التي يرتفع فيها سعر غالون البنزين إلى حدود الـ4 دولارات).
إذاً فـ«أوبك» تشعر بخيرات الدولارات النفطيّة، والتدبير الأخير القاضي بزيادة الإنتاج ليس سوى مناورة بسيطة على سكّة الحفاظ على الأسعار الثابتة. فقد شهدت تلك المنظّمة انخفاض الأسعار بطريقة دراماتيكيّة خلال الأزمة التي عصفت باقتصاديّات جنوب شرق آسيا، حيث وصل سعر البرميل إلى 10 دولارات بين عامَي 1997 و1998. ويبدو أنّ توجّهاً أكثر جذريّةً قائماً على ضرورة الحفاظ على الثروة الوطنيّة، يسيطر على وزارات الطاقة والاقتصاد في تلك البلدان، ومن هنا يمكن تفسير الصعوبة التي تواجه الشركات النفطيّة الكبرى الخاصّة، مثل «EXXON MOBILE» و«BRITISH PETROLEUM» و«CHEVRON»، في الاستثمار في بلدان «أوبك»، وذلك بينما 14 شركة من أصل الشركات العشرين الأكبر في الصناعة هي شركات رسميّة، مثل «ARAMCO» السعوديّة، و«GAZPROM» الروسيّة.
من جهة أخرى، تفضّل الولايات المتّحدة الحفاظ على نفطها في آلاسكا وعند ساحلي الأطلسي والهادئ، خارج إطار الاستغلال بسبب القيود البيئيّة، وهي حتّى الآن تعدّ المنتج الثالث عالمياً للنفط بعد السعوديّة وروسيا. وبحسب تقديرات حديثة، نشرتها الحكومة الأميركيّة، فإنّ هذه المناطق تحوي ما بين 25 و30 مليار برميل من النفط (في مقابل 30 مليار برميل من الاحتياطي الأميركيّ المكتشف حتى الآن)، لذا فأصوات كثيرة تعلو في أميركا في الفترة الأخيرة تنادي بتجنيب الاقتصاد، القائم بثلثيه على الاستهلاك، مراحل أكثر ضراوة من الكساد الذي يعيشه، وخصوصاً أنّ مؤشّر البطالة ارتفع إلى 5.1 في المئة في آذار الماضي، بعدما كان 4.8 في المئة. ومن أبرز العوامل التي تسبّبت في ذلك هي مجموعة الإفلاسات، أو الاضطرابات الماليّة التي أعلنتها شركات حيويّتها قائمة على الأسعار «المعتدلة» للنفط، مثل شركات الخطوط الجويّة، التي كان الطرد في صفوف موظّفيها جزءاً من حالة فقدان وظائف مجموعها 80 ألف وظيفة بين شباط وآذار الماضيين.
إذاً فالولايات المتّحدة التي تُعدّ الآن المتضرّر الأكبر من الارتفاعات الحادّة في أسعار النفط، وتسعى سياسياً إلى احتواء انعكاساتها على اقتصادها، تنأى بنفسها عن الحلول بعدما كانت قد مضت باقتصادها على سكّة غير مسؤولة بمعايير تطوير البدائل أو حتّى محاولة الحدّ من الاستهلاك من خلال فرض الضرائب على استهلاك الطاقة مثلاً. وهنا يمكن المقارنة بفرنسا، حيث يبلغ معدّل استهلاك المواطن من النفط نصف ما هو عليه لدى المستهلك الأميركي.
وبالتالي، فإنّ البلدان المصدّرة ترى أنّه في هذه المرحلة من التاريخ حيث لا يزال النفط السلعة الأكثر استراتيجيّة، الأولويّة هي لمراكمة البترودولار من أجل المشاريع الاستثماريّة، عوضاً عن الخضوع لمتطلّبات السياسة، حيث يُعدّ جورج بوش الآن «بطّة عرجاء» بسبب فشله في العراق وفي ملفّات الشرق الأوسط بشكل عام، وحتى بالملفّات الداخليّة في بلاده.
متظاهر إندونيسي خلال احتجاج طالبي في جاكارتا ضدّ ارتفاع أسعار النفط (إيروين فيدريانشيا - أ ب)
■ احتياطيّات وحاجة
استهلك العالم خلال القرن الماضي 1 تريليون برميل من النفط (ألف مليار برميل)، وبحسب الدراسات الجيولوجيّة (أبرزها تلك التي أعدّتها «BRITISH PETROLEUM»)، فإنّ نحو تريليون برميل أخرى تنتظر كي تستهلك... ولكن خلال السنوات الـ30 المقبلة فقط! نظراً لنمط تطوّر الاقتصاديّات النامية (الصين وروسيا والهند والبرازيل...) ونظراً لعدم ابتكار الحلول المناسبة التي تستطيع جعل الاستثمار في اكتشاف الاحتياطيّات الصعبة، عمليّة غير ذات جدوى.
فمعظم احتياجات سكّان الكوكب الطاقويّة تؤمّنها مشتقّات النفط، ومع ازدياد عددهم بنسبة 50 في المئة مع حلول منتصف هذا القرن، سيتضاعف عدد السيارات (أكثر من مليارين)، كما سيتضاعف عدد الطائرات التجاريّة النفاثة خلال السنوات العشرين المقبلة. وبالتالي فإنّ الاستهلاك النفطي سيزداد بنسبة 35 في المئة مع حلول عام 2030، بحسب الوكالة الدوليّة للطاقة، وبالتالي يجب إيجاد وضخّ 11 مليار برميل إضافي من النفط كلّ عام... هذه الحاجات الإضافيّة قد تؤمّن عبر 1 تريليون برميل إضافي (بحسب التقديرات) موجودة في مناطق مثل المحيط المتجّمد الشمالي، ولكن الأكيد هو أنّها ستبقى ترفع الأسعار نحو مستويات قياسيّة جديدة.
الولايات المتّحدة تستورد حالياً نحو 1.5 مليون برميل نفط من السعوديّة يومياً، وإصرار الأخيرة ومنظّمتها المصدّرة للنفط على استراتيجيّة «الحفاظ على المعروض» لأنّ «المشكلة يولّدها المضاربون»، يعكس ثورة رسّختها «أصول الندرة» في عقول المصدّرين: حان وقت استغلال الثروة النفطيّة... «غولدمان ساكس» كان قد توقّعت في وقت سابق من الشهر الجاري أنّ سعر برميل النفط قد يرواح بين 150 و200 دولار بين الأشهر الستة المقبلة والعامين المقبلين، فيما العالم ينظر إلى أرباح الشركات، («EXXON MOBILE» حقّقت أرباحاً بقيمة 40.6 مليار دولار خلال العام الماضي) وإلى مستقبل الطاقة على الأرض.
مجرد إشارة
«أوبك» والإمدادات
أوضح رئيس «أوبك»، شكيب خليل، أمس، أنّ أعضاء المنظمة يتبادلون الآراء في شأن الوضع في سوق النفط إلّا أنّهم لن يعقدوا اجتماعاً قبل الموعد المحدّد. وقال «قررت أوبك أن تجتمع في 9 أيلول»، وأضاف: «أعضاء أوبك يتبادلون الآراء والأفكار، وسننتظر حتى سبتمبر لاتخاذ القرار الصائب»، إلّا أنّه أعرب عن اعتقاده بأنّ الاجتماع لن يسفر عن زيادة الإمدادات. وفي السياق، ارتفع سعر برميل النفط ليسجّل مستوى قياسياً جديداً: 127.82 دولاراً، وفي هذا الصدد قال محلّل السلع الأوّليّة لدى مصرف «كومنولث»، دايفيد مور، «السوق لا يزال يميل للارتفاع بسبب ضعف الدولار والمخاوف بشأن الإمدادات».





