فرصـة أخرى ضائعة (2)

محمد زبيب
المواهب الإعلامية وحدها هي التي تسمح بجعل الكل رابحين من اتفاق الدوحة، حتى المواطن المثقل بالأعباء و«الجروح» يشعر الآن بأنه انتصر... هكذا تعمل «الذاكرة»، إذا كانت من النوع المحدود... ذاكرة «مبرمجة» لكي تمحو كل الحوادث وتسلسلها والتواريخ والمشاهدات والوقائع والاستنتاجات. فوظيفتها مصممة لتكون محصورة في معاينة الحقائق كما تظهر في هذه اللحظة من دون أي اتصال بما سبقها أو بما سيليها.
ليتذكّر اللبنانيون أن فرحتهم اليوم ستتحول إلى غمّ غداً... ولا «تبصير» في ذلك، فهذا ما يحصل على الدوام من اتفاق الطائف إلى مؤتمر الحوار في الدوحة، مروراً بكل المؤتمرات والتظاهرات وثورات الأرز ومهرجانات الشكر واجتماعات «الأصدقاء» في واشنطن أو في باريس ـــ1 و2 و3... فالتوافق على المحاصصة، ولا سيما في العودة إلى قانون الانتخاب لعام 1960، هو في الحصيلة توافق معلن على إعادة إنتاج الانحرافات الخطيرة التي تعتري التمثيل وتوليدها، وهو ما يشكو منه الناس أصلاً.
إن العودة إلى هذا القانون، ليس إلا للتأكيد على سيطرة القوى المذهبية وإعادة توزيع حصصها، مع ما يقتضيه ذلك من استبعاد لكل احتمالات التنافس في دائرة هيمنة كل واحدة منها... فهذا النوع من القوانين لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نخب مذهبية متنافرة ولكنّها محصّنة، بتحالفاتها
ومبادلاتها، ضد أي تغيير أو إصلاح يهددان هيمنتها ومصالحها المتشابهة.
لا شك في أن «الهدنة» مفيدة بحدّ ذاتها، ولكنها عادة تقف حائلاً دون ظهور أي رغبة أو نية أو أمل بإعادة فتح نقاش وطني سياسي واقتصادي واجتماعي... فالهم يصبح منصبّاً على ترسيخ هذه الهدنة عبر تدعيم تحالفات قوى الهيمنة الطائفية والمالية، مع ما يفرضه ذلك من استعادة الأدوات «التوزيعية» المكلفة التي أعطاها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وظيفة في كتيّبه الانتخابي في عام 2000، هي «شراء السلم بالمال العام»... فعندما يكون السلم هو الهدف، أو هكذا يتم تصويره، لا تعود المساءلة ممكنة، بل إنها تصبح مطلباً يهدد الاستقرار العام!
لقد رتّب ذلك في السابق مديونية عامة تلامس الآن مستوى 50 مليار دولار، وبالتالي قد لا يكون هناك مغالاة في توقّع تراكم المزيد من الديون، ولا سيما أن البعض ممن كانوا في الدوحة بدأ برسم آفاق وردية مبنية على احتمالات توفير الدعم المالي القطري وتخصيص لبنان بحصة من توظيفات الصناديق السيادية التي تنعم بفوائض خيالية من السيولة «النفطية».
إذا صح ذلك، فهذه هي اللعنة التي سبق أن أصابت لبنان، ومنعت ظهور أي رغبة في التغيير، بل أدّت إلى ابتلاء لبنان بما يسميه الاقتصاديون «المرض الهولندي»، حيث يتكرر مشهد التدفقات المالية الهائلة التي يجري توظيفها في تغذية الاستهلاك العام والخاص، وبالتالي ترفع قيم الأصول والأكلاف، وتتضاءل القدرة التنافسية للاقتصاد الحقيقي، وتتسع الهوة بين القطاعات والمناطق والفئات الاجتماعية.


عدد الجمعة ٢٣ أيار ٢٠٠٨