فلسطين في القلب
بيار أبي صعب
ترى كيف كان ليكون وعي جيلنا، والأجيال التي سبقته، من دون هذا الجرح الغائر في الوجدان الجماعي العربي الذي اسمه فلسطين؟ كيف كان ليكون الأدب؟ والمشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي؟ كيف كنا سنتعامل مع «الغرب» (الرسمي) الذي يعتبره كثيرون ــــ منذ «وعد بلفور» ــــ المتواطئ الأكبر على حقوقنا (وهي تهمة لم يأتِ ما يدحضها حقاً على مرّ العقود)، ثم شاهد الزور على المجزرة المتواصلة بحقّ شعوبنا منذ ستين عاماً؟ ترى ماذا كنّا سنفعل من دون إسرائيل؟ هذا العدوّ «الحميم» حصان طروادة الإمبرياليّة الذي زُرع في قلب الشرق، ليخلّص الآخرين من آثامهم وجرائمهم البربريّة (الهولوكوست)، إنما أيضاً ليضمن تواصل الهيمنة الاستعماريّة على المنطقة العربيّة. المفردات تبدو قديمة بالنسبة إلى جزء من النخبة العربيّة انتابته الصحوة الليبراليّة والواقعيّة السياسيّة، أو أنهكته الديماغوجيات والخطابات القوميّة الرسميّة (العقيمة غالباً، التي تخفي بنى قمعيّة فاسدة حكماً)، فشرع يبحث لإسرائيل عن فضائل خفيّة.
نسأل، لأن التحولات المتسارعة في المنطقة والعالم، وثقافة الانسلاخ والاغتراب والإحباط واليأس والاستقالة و«التوبة» التي تفرض نفسها، أكثر فأكثر، باباً وحيداً ممكناً لإعادة الفرد العربي إلى «العصر»، تستدرجنا يوماً بعد آخر إلى هاوية النسيان. هذا الثقب الأسود الذي يهدد بابتلاع حطامنا وأشلائنا وركام حضارتنا العارية، اليتيمة، التي تبحث سدىً عن أنبيائها وقادتها الجدد وصانعي نهضتها المقبلة. كثير من ثوار الأمس ومناضليه ورموزه الفكرية والأدبية والأخلاقيّة استقالوا. أي تواطأوا بأشكال مختلفة مع السلطة القائمة، تلك التي تستمدّ من تنازلاتها أمام الاحتلال حمايةً لاستبدادها وتخلّفها وفسادها. لذلك يبدو تذكّر النكبة اليوم، مهمّاً أكثر من أي وقت مضى. وكذلك اختراع أبعاد أخرى ومفاهيم جديدة للمقاومة، و... شروط للسلام. لا نتصوّر أن تمّحي الصور القديمة، بالأبيض والأسود، لجحافل اللاجئين وصفوف الخيم، من ضمير جيل عربي جديد مشغول بالبحث (الشرعي) عن تحقيق وجوده وسط منظومة قيم مختلفة. إن فلسطين تضيع نهائيّاً يوم ينساها
العرب.







كيف كنا لنكون نحن لولا أننا وجدنا وتربينا وكبرنا وفلسطين في قلبنا ؟ كيف كنا لنكون لولا أن وعينا وثقافتنا وأخلاقنا تشكلت وتشربت وتشبعت من القضية ؟
كيف ونحن استطعمنا ملوحة الدم من جرح فلسطين ؟ كيف ونحن تعلمنا ما الظلم وما المقاومة وما الحق من معاناة فلسطين ومن شموخ فلسطين؟
أستاذ بيار لن ننسى فلسطين ... لن ننسى أنفسنا