ستون عاماً «من» النكبة
أمنون كركتسكين ـــ راز *
بعد ستين عاماً من الكارثة، نحن لا نحيي ذكرى مرور ستين عاماً على النكبة، فحسب، بل ستين عاماً من النكبة، من السلب والطرد والتقييدات. ومن دون التقليل من عظم الصدمة والكارثة في عام 1948، يجب ألا ننسى حقيقة أنّ العملية مستمرة وأنّ الأسس التي أدت إلى حدوث النكبة ما زالت تبلور سياسات إسرائيل حتى اليوم. وفي الوقت الذي نتركز فيه في مصيبة الماضي، نحن نقف في لبّ كارثة أخرى وفي وضعية غير مسبوقة من العنف، لا نعرف إلى أين ستأخذنا.
فالأمر لا يقتصر على أنّ إسرائيل قامت على أنقاض فلسطين وعلى أنّ النكبة هي جزء لا يتجزّأ من تأسيسها؛ إسرائيل هي مشروع متواصل ومُعلن من أجل التهويد ونفي «العَرْبَنة»، ومن أجل سلب حقوق الفلسطينيين. ومن الجدير إبراز أنّ المبدأ الأساس الذي عليه تقوم إسرائيل كـ«دولة يهودية» هو نفي القومية الفلسطينية. وهذا يشكل أيضاً المبدأ المُسيّر لـ«عملية السلام» الحالية من وجهة النظر الإسرائيلية: الشرط الإسرائيلي للاعتراف بـ«دولة» فلسطينية تقوم على قسم من المناطق المحتلة، هو مطالبة الفلسطينيين بالتنازل عن حقوقهم وحتى عن ذكرياتهم. وينعكس نفي القومية في مطلب قبول تجزئة الشعب الفلسطيني إلى مجموعات، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، بطرق مختلفة: مواطنين دونيين في إسرائيل، فلسطينيين تحت الاحتلال، ولاجئين (الذين يُقسمون بدورهم إلى مجموعات ثانوية). إسرائيل مستعدة لمنح الفلسطينيين الموجودين في حيّز سيطرتها حقوقاً محدودة متنوعة (مواطنة فلسطينية محدودة تُمنح لسكان المناطق المحتلة أو مواطنة إسرائيلية محدودة تُمنح لمواطنيها العرب)، ولكن شريطة أن يتنازلوا عن المفاهيم والمدارك القومية، من خلال النفي المتواصل لحقوقهم المدينية ولحقوقهم الملكية.
المطلب الإسرائيلي في ما يخصّ اللاجئين واضح وقاطع: نفي مطلق لحقوقهم، والمطلب بأن يقبلوا طواعية المنفى الأبدي. هذا هو «الأبسورد» المطلق الخاص بالمطالب الإسرائيلية: بينما يُحفظ لكل يهودي في العالم الحق في الوصول إلى البلاد والسكن فيها، إسرائيل تطالب بنفي هذا الحق مطلقاً عن أبناء هذه البلاد، اللاجئين الفلسطينيين. ومقابل الاعتراف بسيادة جزئية على ما يشبه دولة فلسطينية مركبة من غيتوات، يُطالب الفلسطينيون بالتنازل عن حقوقهم الأساسية. وهكذا يجري منع نضال فلسطيني مشترك، يمكن أن يشمل جميع المجموعات، من أجل تسوية عادلة.
وفي ضوء ما تقدم، تتضح أهمية الموقف والتنظيم القوميين الفلسطينيين الشاملين، اللذين يدمجان بين هذه المطالب ويُمكّنان من إدارة نضال مشترك. ومنذ انهيار منظمة التحرير الفلسطينية، يُمكّن غياب مثل هذه المنظومة من تدهور الأوضاع ويمنع أية إمكانية لإدارة نضال من أجل تسوية عادلة تقوم على المساواة.
أنا أكتب هذا من وجهة نظر يهودي ـــــ إسرائيلي، يشعر بالتزام تجاه المجموع الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه أكتب من وجهة نظر المسؤولية عن ضحايا الصهيونية؛ من خلال الوعي بأنّ الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، ومن ضمنها حق العودة، هو شرط للاعتراف المتبادل، وأيضاً شرط لجدال جديد حول الوجود اليهودي وحول حقوق اليهود. والسؤال الذي يتمحور النقاش من وجهة النظر هذه هو: كيف يمكن الحديث عن وجود إسرائيلي يستند على الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، ومن ضمنها حق العودة؟ من دون نقطة الانطلاق هذه، لا يمكن الحديث عن مصالحة ولا يمكن إنشاء بُنًى للاعتراف المتبادل.
وعليه، أنا أعتقد أنّ الإطار المطلوب للتناقش في أية تسوية هو إطار ثنائي القومية، أي أنه إطار يأخذ بالحسبان، وفي ذات الآن، اليهود والفلسطينيين على حد سواء. وتكمن الأهمية الابتدائية الكامنة في هذا الموقف، في أنه يوضح أنّ مسألة فلسطين هي مسألة واحدة، وهي تسعى ضد المبدأ الأساس الذي تقوم عليه السياسات الحالية. هذا لا يلزم، بالضرورة، بحلّ دولة واحدة مشتركة، بل يلزم بإطار يشير نحو المبادئ التي يجب تطبيقها في أية تسوية: المساواة المدينية والقومية، العدل والاعتراف المتبادل. وفي هذا السياق، يجوز أن يُنظر إلى إقامة دولة فلسطينية على أنها حلّ عمليّ لإنهاء الاحتلال، ولكن ليست نهاية الصراع. لا يمكن للمصالحة الحقيقية أن تتمّ إلا إذا كانت مستندة على اعتراف بالقومية الفلسطينية ككيان واحد وعلى الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وليس كأساس لنهاية الصراع، بل كخطوة أولى تجاه التطبيق العادل.
من وجهة النظر الفلسطينية، يمكن أن يُنظر إلى هذا الموقف ثنائيّ القومية على أنّه تسوية حيث إنه يتضمن اعترافاً بوجود إسرائيل ككيان قومي ـــــ يهودي ـــــ إسرائيلي في فلسطين. إلا أنّ هذه التسوية تضمن الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني، تلك الحقوق التي تنفيها «العملية السلمية» الحالية، مطلقاً. أحد الأسباب المركزية لفشل عملية السلام من بدايتها هو أنّ القيادة الفلسطينية وافقت (باسم «البراغماتيزم») على أقل بكثير من هذا. وفي اللحظة التي تنازلت فيها القيادة الفلسطينية عن الرؤيا الشاملة للشعب الفلسطيني، تنازل عن مصادر قوتها ومرجعيتها.
وفي الراهن، عدد الإسرائيليين المستعدّين لمثل هذا الاعتراف هو ضئيل. وإسرائيل الرسمية تواصل نفي النكبة جملة وتفصيلاً، كما تواصل دوس حقوق الفلسطينيين في الحاضر وتفعيل العنف غير المسبوق ضد اللاجئين أنفسهم. إسرائيل تحتفل باستقلالها من دون أن تأخذ بالحسبان الكارثة اللصيقة به، إلى جانب أنّ كلّ من يطالب بالتطرق إلى حقوق الفلسطينيين يُنبذ في العالم كله كأنه يسعى إلى تدمير الشعب اليهودي.
إلا أنّ إسرائيل موجودة، أيضاً، في حالة من الجزع على وجودها. وليس بوسع الاحتفالات والمهرجانات أن تُموّه الأزمة الكبيرة التي يوجد فيها المجتمع الإسرائيلي، الذي يفتقر إلى الرؤيا والوجهة. وهؤلاء (الجزعون) هم اليوم في مركز القوموية الفظّة التي سيطرت على هذا المجتمع في السنوات الأخيرة. وقد تعاظم الشعور بالخوف بعد الحرب على لبنان في 2006، إلا أنّ أصوله تعود إلى أزمان سابقة. إسرائيل هي قوة إقليمية متسلحة بجميع وسائل الإبادة، إلا أنها مسكونة بالجزع الوجوديّ.
وينبع مصدر هذا الخوف الشديد من التنكر لمسألة اللاجئين والتنكر للتراجيديا الفلسطينية. ويمكننا أن نفهم الخوف الإسرائيلي الوجوديّ، إلا أنه يمكن علاج هذا الخوف بوسيلة واحدة: عن طريق التوجّه إلى المُتنكَّر له وعن طريق الاعتراف بالمسؤولية. مهمة الإسرائيليين الذين يؤمنون بالحياة المشتركة على أساس العدل هي استجلاب المُتنَكَّر له وتحويل اللاجئين إلى جزء لا يتجزأ من أي نقاش حول مستقبل هذه البلاد. وعلى المدى البعيد، هذا ما يمكن أن يضمن الوجود العبري ـــــ اليهودي في البلاد، وهذا ما يمكنه أن يفتح الآفاق على مستقبل من المصالحة والمشاركة.
وفي الراهن، القليل من الإسرائيليين يتوجهون نحو هذه الطريق، إلا أنّه يبدو أنّ عددهم آخذ في التزايد، رغم كل شيء. ومع الوقت، حتى أولئك الذين شاركوا في الطرد وارتكاب المجازر يريدون الحديث، ويشهد على ذلك أنّ عملية التنكّر والإسكات تركت، مع ذلك، شعوراً صعباً لدى الطاردين، أيضاً. «لن تجد أحداً شارك في جينوسايد وظلّ من دون جرح»، قال الفيلسوف الهندي ناندي (Nandy). ولكن، كي يكون بالمستطاع تطبيب هذا الجرح، يجب على الإسرائيليين أن يتوجهوا إلى الضحية، أن يعترفوا بحقوقها. وكي يكون بوسع إسرائيليين كُثُر أن يتوجهوا إلى الضحايا وأن يعترفوا بمسؤوليتهم، يجب أن يجري التداول في حقوق اليهود أيضاً. هذا الموقف يبدو غريباً للوهلة الأولى: فالسؤال هو بالذات عن حقوق الفلسطينيين المنتهكة باستمرار. ولكن، وفي الوقت الذي تتضح فيه حقوق الفلسطينيين جلية، ومشتقة أيضاً من مبادئ العدل ومن التجربة التاريخية لمناهضة الاستعمار ـــــ فإنّ حقوق اليهود غير واضحة. أن نتناقش في حقوق اليهود معناه، طبعاً، أن نقلّصها بما يسمح بإعادة تأهيل الشعب الفلسطيني. وفي نهاية الأمر، نحن اليهود سنسعى إلى طلب حقوقنا من أهل البلاد أنفسهم. وفي هذا السياق، ستضطر إسرائيل إلى مبادلة تماثلها التام مع الغرب بالجاهزية وبطلب التحوّل إلى جزء من الشرق، إلى جزء من العالم العربي الذي توجد فيه إسرائيل.
لا تتوقف العملية السلمية عند كونها لا تتطرق إلى مجمل شرائح «مسألة فلسطين»، بل تقوم بالحيلولة دون طرح النقاش المطلوب اليوم، بدعوى «البراغماتيزم» الذي يكرّس القمع ويُدني من الأخطار الجسيمة. لا يوجد من يعتقد أنّ بوسع هذه العملية حقاً أن تدفع باتجاه أمر ما، ولكن يبدو أنّ من المريح للكثيرين أن يراقبوا كمشاهدين وأن يروا كيف تترافق العملية باستمرار الاغتيالات وبناء المستوطنات وبحصار غير مسبوق على قطاع غزة. الطريق ثنائية القومية، بالذات، هي الأكثر براغماتية. «العملية السلمية» تقبل سلفاً بوضعية مواطني إسرائيل الفلسطينيين، وحتى بفوقية إسرائيل المطلقة. وهي تستند على تسوية فارغة في ما يخص مسألة اللاجئين، من حتى التطرق إلى مصير في مرحلة ما بعد الاتفاق.
لذلك، هناك حاجة مُلحّة لتفكير قومي فلسطيني ولتفكير ثنائيّ القومية. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها خلق خطاب بديل للخطاب المُهيمن الحالي، والدفع باتجاه عملية إنهاء الكولونيالية في فلسطين، التي تشمل في هذا السياق، أيضاً، إنهاء الكولونيالية عند اليهود أنفسهم.
* أستاذ «قسم التاريخ اليهودي» في جامعة بن غوريون في النقب





