ما الذي يستطيعه المثقّف؟

إنشاء الدولة الصهيونية لم يكن مجرّد سعي إلى لمّ شتات اليهود داخل كيان قومي يحميهم من هولوكستات أخرى، بل كان مشروعاً ينطوي على تواطؤ مع اتجاهات استعمارية حريصة على أن تظل موجودة في منطقة حيوية بالنسبة إليها

محمد برادة *

تكشف النكبة التي بدأ التخطيط لها منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم أصبحت تجلّياً ملموساً على الأرض الفلسطينية في 1948، عن نوايا القوى الاستعمارية تجاه بلدان الشرق العربي الآخذة آنذاك بتحقيق استقلالاتها والتطلع إلى بلورة كيان عربي يستجيب لمطامح شعوبها... ذلك أنّ إنشاء الدولة الصهيونية لم يكن مجرد سعي إلى لمّ شتات اليهود داخل كيان قومي يحميهم من هولوكستات أخرى محتملة، بل كان مشروعاً ينطوي على تواطؤ مع اتجاهات استعمارية حريصة على أن تظل موجودة ـــــ ولو بالوساطة ـــــ في منطقة حيوية بالنسبة إليها. والتواطؤ بين دعاة الصهيونية وممثلي الدول الكبرى، منذ البدء وإلى اليوم، قائم مكشوف لا يحتاج إلى دليل.
لكن ما يسترعي انتباهي، وأنا أستحضر مرور 60 سنة على نكبة فلسطين، هو الوضع الفلسطيني الراهن الممعن في التشابك والتعقيد، وما يطرحه من مساءلة استعجالية على المثقف العربي الذي يحافظ على مسافة نقدية تجاه الأنظمة القائمة. والموقع الذي أتكلم منه لا يطمح إلى إقناع سياسيين أو التأثير على من بيدهم الحلّ والعقد، لأنهم أثبتوا بالملموس أن ما يهمهم هو الاستمرار في السلطة، ولو أدى الأمر إلى التنازل عن الحق الفلسطيني الذي طالما استعملوه لتجيير واجهة أنظمتهم المتخاذلة...
لأجل ذلك، أودّ أن أقصر حديثي على التساؤل عما يمكن للمثقفين العرب أن ينجزوه اليوم، ويكون ذا مردودية إيجابية على قضية فلسطين التي تمر في عام نكبتها الستين بأسوأ مرحلة من مسارها المأسوي المجلّل بالتضحيات والعذابات الجسيمة؟
قبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، أورد باختصار ملامح الوضع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي كما يتبدّى لي حالياً:
* تتابع إسرائيل سياسة القمع والاعتقال والقتل والحصار وتهديم البيوت والمنشآت، على رغم تصريحاتها التي توهم بأنّها توافق على تأسيس دولة فلسطينية على أرض لا تبلغ ثلث المساحة التي يطالب الفلسطينيون بها؛ أي أنّ إسرائيل تتظاهر أمام المحافل الدولية وأمام حليفتها الولايات المتحدة الأميركية بالرغبة في الوصول إلى السلام، لكنها تستمر في الآن نفسه في ممارسة الدور الاستعماري، غير مبالية بالقانون الدولي وقراراته...إنها، على ضوء سلوكها، دولة استعمارية تحظى بمساندة أميركية وبغضّ الطّرف من أوروبا، وتتستّر وراء خطر الإرهاب الأصولي لتمعن في المماطلة وربح الوقت...
* عربياً: ليس هناك استراتيجية لمواجهة إسرائيل وإرغامها على قبول مقررات الهيئات الدولية أو قبول المشروع العربي الذي يطرح قيام دولة فلسطينية مقابل الاعتراف بإسرائيل وإقرار السلام في المنطقة... بتوازٍ مع ذلك، يأخذ التحارب العربي أبعاداً تشهد على موت النظام العربي، والاستسلام لتبعيةٍ تتزايد يوماً عن يوم...
* فلسطينياً: تعاظمت الاختلافات والانقسامات في صفوف الفصائل والتنظيمات، وفقدت القضية الفلسطينية طابع الإجماع الداخلي الذي كان يعزز موقفها على الصعيد الدولي ويُنمي أنصارها المؤمنين بعدالتها... والسلطة الفلسطينية الفاقدة لمقوّماتها، مجرورة إلى فالس من المفاوضات الشكلية المُفرَغة من المحتوى نتيجة المخادعة الإسرائيلية، وتزكية أميركا لسياسة التسويفات والوعود الكاذبة...
هذا الوضع السيزيفي يعيشه الفلسطينيون منذ سنوات ويؤدون ثمنه غالياً من حياتهم اليومية وتدهور أوضاعهم المادية، ضمن مناخ سياسي لا يكفّ عن التبشير بقُرب قيام دولة فلسطينية!
ومن ثم، يتكون لدينا شعورُ مُشاهدِ السيركْ: كل شيء في غير مكانه، وكل شيء يوحي بأن منطق المفارقة المتحكّم في الوضع هو الأنسب والملائم للوصول إلى نسق بهلواني يرضي جميع المتفرجين على اختلاف نزعاتهم وأذواقهم...
إلا أنّ استحضار تفاصيل الواقع كما هو على الأرض، داخل غزة والضفة والقدس ، يزعزع كل التّوهّمات لأن منطق الاستعمار الإسرائيلي ماضٍ في طريقه بلا هوادة، متوسّلاً ببناء المستوطنات والإمعان في المحاصرة والعقاب الدموي. وهذا ما جعل بعض الملاحظين الذين زاروا فلسطين المحتلة في الفترة الأخيرة يتساءلون: هل ستكون هناك دولة فلسطينية؟ (نحيل على الحوار الذي نشرته صحيفة «لومانيتيه» بين ريجيس دوبريه وليلى شهيد).
أما أنا فأريد أن أحصر كلامي، بعد مرور 60 سنة على نكبة فلسطين، في مسألة أساسية أتصوّر أن المثقفين العرب يستطيعون الاضطلاع بها، بعيداً عن الخلافات الفلسطينية والعربية، وعلى رغم تقاعس الأنظمة وشلل الجامعة العربية؛ والمسألة الملحّة في نظري، هي مواجهة «المنطق المعكوس» الذي تعتمده إسرائيل وتُشيعه وتتستّر وراءه لتمرير سياستها الاستعمارية وتبييض وجهها أمام الرأي العام العالمي.
عندما نتابع تصريحات وتحليلات المسؤولين الإسرائيليين والناطقين باسمهم في الفضائيات، والمتعاطفين معهم من بين كبار المثقفين الأوروبيين، تلفت نظرنا حجّتان في هذا المنطق المعكوس:
1) ضرورة محاربة «الإرهاب الفلسطيني» أولاً، وبعد ذلك يتم التفاوض حول دولة فلسطينية.
2) جميع الإجراءات التي تلجأ إليها إسرائيل وأجهزتها السرية والعلنية، مُبرّرة سواء ضد الفلسطينيين أو ضد جيرانها في المنطقة، لأن حماية دولة إسرائيل لها الأولوية ولا يمكن التهاوُن مع مَنْ يتقصّدون تقويضها...
أعتقد أنّ هذا «المنطق المعكوس» الذي تتكئ عليه إسرائيل في الفترة الأخيرة، يستوجب مواجهة ودحضاً من المفكّرين والمثقفين العرب بقصد إقناع الرأي العام الأوروبي على الخصوص، بأن دولة تل أبيب تتوسّل بهذه الحجج لإخفاء رفضها للسلام مع الفلسطينيين والعرب وللإبقاء على التوتّر الذي يضمن لها الاستمرار في خدمة مصالح الدول الكبرى في المنطقة. وهي مواجهة تستدعي تصدّي المثقفين لفضح التدليس المُلحق بقضية تكتسي طابعاً إنسانياً قبل أن تكون قضية قومية، إذ إن الاستعمار يقتضي الإدانة والمواجهة ودحض الحجة القائلة بأنّ جميع ردود فعل الفلسطينيين لها دافع إرهابي. في حين أنها مقاومة تردّ على إرهاب الدولة المُستعمِرة التي كانت ولا تزال، وراء تشجيع التطرّف والعنف في فلسطين.
أيضاً، أنا أحبّذ أن تشمل هذه المواجهة الحوارية، سواء داخل الأقطار العربية أو في المحافل والمنتديات الأوروبية، مسألة تقويم الصورة الفلسطينية الآن لدى الرأي العالمي، من خلال الإلحاح على أن ما يحمي الحق الفلسطيني هو، قبل كل شيء، الاتفاق الإجماعي الوطني، على إعطاء أسبقيّة المقاومة للتناقض الأساسي المتمثل في الاستعمار الإسرائيلي، لأن من شأن هذا الاتفاق أن يؤجّل الاحتراب الداخلي ويُعيد الالتفاف حول قضية إنسانية وسياسية عادلة، لا يمكن تحقيق أهدافها من خلال تحالفات إقليمية واصطفافات إيديولوجية أو دينية ضيقة...
ما يستطيعه المثقفون العرب هنا والآن، وعلى رغم انسداد الآفاق، هو التصدي لمنطق إسرائيل المعكوس لفضح مناوراتها الهادفة إلى شراء الرأي العالمي من خلال حجج ملفّقة وخطاب يستثمر الهولوكست ومعاداة السامية لحجْب ما يتعرض له الفلسطينيون من تعذيب وقهر وتصفية ذات أشكال عديدة...
إن هذه المواجهة، في جميع المجالات والفضاءات مع الخطاب الإسرائيلي، التزييفي يجب أن تقترن ولا شك، بإعادة قضية فلسطين إلى مدارها الصحيح في الضمير العالمي، على اعتبار أنها تمثل نضال شعب طوال 60 سنة، من أجل استرجاع الأرض والحرية والسلام، وتشييد مجتمع ديموقراطي منفتح على العصر، رافض للماضويّة ومراهن على الحوار والتعددية. ومن ثم، يغدو تصدّي المثقّفين العرب للاستعمار الإسرائيلي خطوة على طريق إعادة فلسطين إلى قلب الصراع، من أجل العدالة والديموقراطية وتحرير المواطن في مجموع الأقطار العربية.

* روائي وناقد مغربي