حين عاد إدوارد سعيد إلى بيته...
خليل صويلح *
كان قسطنطين زريق أول من اقترح مصطلح «النكبة» للتعبير عما أصاب الفلسطينيين في عام 1948، لكن هذا المصطلح يحيل عملياً إلى قاموس كامل من الجحيم الموازي: مصيبة، كارثة، اقتلاع، تهجير، نفي، إبعاد قسري، تطهير عرقي، طرد، إلغاء، إبعاد، لجوء، شتات، إبادة، مخيّم... مهما تكن التسمية لما حدث للفلسطينيين في 15 أيار (مايو) قبل ستين عاماً من اليوم، لا تكفي لوصف المشهد. ولعل إدوارد سعيد في مقدمة مَن قارب «المسألة الفلسطينية» على نحو أكثر دقة، لإقناع الرأي العام العالمي بعدالة قضية لا تزال من دون حلّ، حين قال مؤكداً «ما هو هولوكست لليهود، هو النكبة للفلسطينيين». وهو بذلك أحدث انقلاباً في وعي النكبة، وذلك بإخراج هذا الوعي من الحيّز المحلي للتاريخ، ووضعه في صلب التاريخ العالمي للإبادة بإعادة تمثّل اللاتاريخ التي حاولت إسرائيل تعميمه تجاه الحق التاريخي للفلسطينيين. كانت هذه الفكرة نقطة انطلاق في إثبات التاريخ الفلسطيني، وفي المقابل إزاحة البعد الأسطوري للتاريخ الصهيوني الملفّق. وكان صاحب «لوم الضحايا»، اكتشف باكراً أهمية الصورة والوثيقة في إجلاء حقيقة النكبة بسؤال جوهري هو: «هل للصور الفوتوغرافية بالأسود والأبيض الآتية من الهامش المستلب، أن تواجه صور المركز الإمبريالي؟». هكذا وجد أولاً، في الصور التي التقطها المصور الأميركي جان مور في فلسطين تحت الاحتلال، وفي المخيمات، قبل نحو عقد ونصف فرصة لاستعادة التاريخ المنهوب وإعادة ترميمه من جديد على نحو مغاير. أراد سعيد أن تكون الصورة دليلاً على شيء نسمع عنه. أن تكون وثيقة بصرية ملموسة تفضح خزي ما صنعه الآخر. وفي تعليقاته على الصور كان إدوارد سعيد يشتغل على سردٍ مضاد لسرديات المركز التكنولوجية المتقدمة، وإثبات «أن الضحايا لها صور، ولها صوت، وهي مستمرة في المقاومة بإصرار وبلغة المركز».
صاحب «خارج المكان» أحدث هزّة ضمير أخرى عبر مذكراته، فهي بشكل ما نموذج للتيه الفلسطيني، والهويات المتعددة، واللامكان. سيعود سعيد إلى القدس كمواطن أميركي هذه المرة، وسيقف عند سياج بيت طفولته من دون أن يدخل البيت. هناك عائلة يهودية تحتل الذكريات وتصنع ذاكرة مزوّرة للنسيان.
لهذا السبب ربما، اقتحم شارون أثناء غزو بيروت 1982، أول ما اقتحم، مركز الوثائق الفلسطينية، ونهب مئات الأشرطة المصوّرة لنفي وجود الفلسطيني، ولتأكيد قول قديم لغولدا مائير «الفلسطينيون؟ من هم ؟ لم أسمع بهم». ولكن إدوارد سعيد حين أتى بيروت قبل رحيله بسنوات قليلة، رغب أن يسجّل لقطة مضادة، حين وقف على السياج الحدودي بين لبنان وإسرائيل، وقذف حجارة نحو جنود العدو. كان يعلم تماماً أهمية تظهير صورة كهذه في أرشيف الذاكرة المضادة.
محو الصورة أو محو الذاكرة هاجس دائم لدى إسرائيل، لكن تراكم الصور من موقع مضاد، لطالما أفشل هذا المخطط. كانت صور الانتفاضة الأولى نادرة ومختزلة ومحجوبة في الغالب، لكن ما حصل لاحقاً أن اقتحمت الفضائيات الجدران المغلقة في السجن الكبير لتفضح ذلك العار الطويل من محاولة الإخفاء والنكران وتزوير الصورة. صورة محمد الدرة على سبيل المثال، تحولت إلى أيقونة للعار الإسرائيلي، لتضاف إلى صور الأبيض والأسود، تلك التي رصدتها عدسات المصورين الأوائل بكاميرات قديمة ومتهالكة لوجوه بائسة تكسوها الحيرة، وينهبها القلق في تيهها الأول خارج المكان، التيه الموقت وفقاً لما كان أصحابها يتصوّرون. بقيت تلك الصور شاهداً على تشريد نحو 700 ألف فلسطيني في وضح النهار، وإبادة مئات القرى إلى الأبد. لكن الفلسطيني، في المخيّم أو المنفى، كان لا بد من أن يعلّق على أول جدار يستند إليه، صورة لخريطة فلسطين، وأخرى لشهيد من العائلة. وفي أزقّة المخيّم، ستلفت انتباهك عشرات الملصقات التي تحمل شعارات وصور شهداء، وعبارة «عائدون» بالطبع.
هكذا سيظل فيلم «كفر قاسم» لبرهان علوية شهادة عن مجزرة، وفيلم آخر مثل «المخدوعون» لتوفيق صالح، صورة لما أراد غسان كنفاني أن يقوله عن النكبة وضياع الأرض وتهجير البشر. وسيأتي لاحقاً إلياس أبو أسعد، ورشيد مشهراوي، وتوفيق أبو وائل، ونزار حسن، وعزة الحسن.... لتأكيد صورة أخرى لفلسطين عصيّة على النسيان أو الإقصاء أو التزوير.
تقول عدنية شبلي في توصيف الكتابة الفلسطينية الجديدة «إنها أدب مقاومة الحركة»، وتفسر المصطلح، بأنّ البطل في كتابتها وكتابات مجايليها من «عرب 48» يتحرك في رقعة محدودة، وهو لا يصعد سلّماً، أو يفتح باباً، وذلك خوفاً من فقدان مكانه، فهو ما إن يغادره، لن يعود إليه بسهولة. كما إن الحاجز الإسرائيلي، منع هؤلاء الأبطال من الحركة إلى الأمام، إذ إن الفلسطيني اليوم، يهدر معظم وقته أمام الحواجز، ليكتشف أنه أمام حاجز آخر. وحين يقيس المسافة التي قطعها بين حاجزين، سيجد أنها بضعة أمتار وحسب. فهو على الأرجح، يراوح في المكان. في الواقع بإمكاننا مقاربة مصطلح «أدب مقاومة الحركة» من ضفة أخرى للتخفيف من وطأة مصطلح آخر هو «أدب المقاومة» بكل ما يثقل هذا المصطلح من صراخ ومباشرة ويقين. لعل النص الجديد المغاير قد اكتسب ميزة أن لا جدوى من الصراخ والهتاف المنبري، فراح يعمل في منطقة أكثر واقعية. منطقة محسوسة تقوم على الوقائع اليومية في المقام الأول، وتشتبك مع الآخر وجهاً لوجه، وتعمل بعدسة على قياس متوسط تكشف أبعاد الصورة، وغالباً ما تكون هذه الصورة ملتقطة بعدسة مقرّبة.
*كاتب وصحافي سوري، من أسرة «الأخبار»








ادوارد سعيد رحلت عنا لاكن ذكراك ستبقى خالدة في قلوبنا