الصورة وذاكرة النكبة
جان شمعون *
يأخذك الزمن إلى متاهات تشغل الذاكرة. تبدأ بالتمرّد ثمّ العودة إلى مواقع تحيا من خلالها انتعاشاً. تستعيد حيويتها وأصالتها في مواجهة الافتعال والهيمنة. الصراع القائم والدائم يأخذ مداه، ثمّ يبيّن المسافةَ بين الصدق والباطل. اغتصاب فلسطين وسلب هويتها يعيشان في جوهر هذا الصراع. إنّ القدرة على إحياء الذاكرة البصرية عبر الصورة الثابتة والمتحرّكة، والتمكن من التعايش معها، يصبحان من إيجابيات الكائن في الزمان والمكان. إنّ قضايا الوجود الإنساني تعيش في جوهر تكوينه. تستميلني هذه الهواجس، إلى الذهاب متمسكاً بما يرافقني:
إنها أداة التعبير من الماضي إلى الحاضر والآتي:
كيف توجد الصورة وما هي الأداة ...؟
إنّ الصورة الثابتة والمتحركة تكوّن وسيلة انتعاشٍ من خلال أبعاد الذاكرة.
إنها، في الوقت نفسه، عامل مؤثّر في سبيل المعرفة، لأنّ بإمكانها أن تعبّر عن ديناميكية الواقع. الصورة السينمائية هي عامل بصري وفكري في خدمة الوعي الإنساني.
ولكن، بقدر ما تكوّن هذه الصورة المتحركة أو الثابتة عاملَ تشويه للذوق والانتماء، فإنّ بإمكانها أن تصبح عاملَ انتعاش إيجابياً للذاكرة البصرية والفكرية.
إنّ صورة الحركة هي الوحيدة من بين الفنون التي نشأت مع استيعاب العناصر المختلفة المأخوذة عن كل فروع المعرفة الإنسانية.
أراني حاملاً كاميرا، أتجوّل في أزقةٍ ضيّقة، داخل قريةٍ تنفرد بهدوئها الشاعري. إنها بلدة دير ياسين في فلسطين. على جانبي الأزقّة، بُنيت منازل حجرية تبرز بأسلوبها التراثي الجميل والمميّز . أتصوّر أمامي شجر الزيتون والموسم المعروف الذي اشتُهرت به هذه البلدة. استكملتُ جولتي وعلمتُ أن عدد سكانها سنة 1945 بلغ 610 نسمات. موقعها الجغرافي غربي القدس. أما اليوم فتقوم على أنقاضها مستوطنة يهودية تدعى «جفعات شاؤول»، تقع قرب مدينة القدس. الهدف هو الاستيلاء على الأرض، وطردُ السكان الفلسطينيين العرب، وملؤها بالمهاجرين اليهود.
قام الصهاينة بذبح سكّان دير ياسين وتدمير مسجدها وحرق بيوتها على سكانها ليلاً.
لم ينجُ من هذه المذبحة إلا القليل من أهلها. وقد حدثت هذه المجزرة قبل طلوع فجر يوم 10/ 4/ 1948. قاتل الفلسطينيون دفاعاً عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة.
كان القتال يدور من بيت إلى بيت، وكان اليهود كلّما احتلّوا بيتاً فجّروه بإلقاء القنابل داخله ليدمّروه على من فيه بأسلوبٍ همجي قلّما شهدت مثله البشرية. بعد ذلك جمعوا الذين بقوا أحياء إلى جانب الجدران، وحصدوهم بالرصاص. ثمّ جاءت وحدة من الهاغانا، فحفرت قبراً جماعيّاً ودفنت فيه 250 جثّة من دير ياسين، أكثرها من النساء والأطفال والشيوخ، وكانوا يلقون بعض الضحايا في آبار القرية.
وجد رئيس بعثة الصليب الأحمر في فلسطين، عند دخوله أحد المنازل، مشاهد بعض الجثث الباردة، بعد أن أدرك أنه تَمّت تصفيتها بواسطة الرشاشات والقنابل اليدوية والسكاكين.
عند مغادرة المكان، سُمعت أصوات تنهّدات، فتعثّّر بقدم فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها، مُزّقت بقنبلة يدويّة، لكنها لا تزال على قيد الحياة. وعندما همَّ بحملها، حاول أحد الضباط الصهاينة منعه، فدفعه جانباً وواصل عمله، فلم يبق من الأحياء سوى امرأتين إحداهما عجوز.
لقد كان في القرية 400 شخص، أنقِذ منهم أربعون وذُبِح الباقون الذين جاوز عددهم 360 شخصاً معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ.
إنّ تدوين هذه المرحلة ومراحل مماثلة من تاريخَي فلسطين ولبنان عبر الصورة، بمنحاه الوطني، من خلال سلطتها وديناميّة بعدها البصري، يكوِّن عاملاً فعّالاً في تأثيرها التاريخي.
* سينمائي لبناني





