من النكبة إلى... خراب الهيكل
نصري الصايغ *
I... لا بدّ، بعد ستين عاماً، من تأصيل النكبة، بطريقة أخرى، أو، بلغة مختلفة، تفلّت من مفردات التذكّر والتحسّر، تنأى عن مشايعة الأحزان، تعتدي على اجترار اليأس، تخرج عن مقاييس التأريخ.
أو، لا بد، بعد ستين عاماً، من إخراج النكبة، من صورتها التي تناوبنا على رسمها: مؤامرة، تلتها مؤامرة، أنجبت مؤامرة، والضحية تفتّش عن مسؤول. أو، لا بد من الخروج من ثنائية الأمثال: الحق على الآخر الذي ضدنا، والآخر الذي فينا.
ستون عاماً، بعد النكبة، امتلأت معظمها بالخيبات، بلا يأس، بالاندحارات، بلا تراجع، بالهزائم، بلا وشم. كانت النكبة تحمل في معناها ألماً، يكاد يسطو على الأمل.
لا بد، إذاً، من تأصيل النكبة في الألم والأمل. الألم، يستمد جدواه ومعناه، من جريمة الماضي المتمادية، والأمل، ينفتح جدواه ومعناه، على رفض الجريمة ومحوها.
جزء من الماضي، يعيد العافية للضمير الإنساني التاعس، وجزء من المستقبل، يعيد القوة إلى نصاب الإنجاز.
أي، لا ينظر إلى النكبة بعد اليوم، على أنها قدر الأقوياء، في ابتداع الظلم، والرضوخ لمنطق «العالم ضدنا». بل، ينظر إلى أساسها، أنها تصويب خلقي للسياسة الإجرامية، وأن فرصة تغيير العالم، من هنا، ومن أجل هنا، في فلسطين، ممكنة وضرورية.
النكبة امتحان نصف قرن من الألم، وشهادة باهظة على جدوى الأمل.
وما جاء أعلاه، ليس شعراً أو نبوءة. ألم تعد فلسطين بعد شطبها من التداول، حتى بعد حرب تشرين؟ ألم تصبح فلسطين عاصمة النضال والقتال، من أجلها وضدها معاً؟
إذاً، للنكبة معنى آخر: تصويب التاريخ غداً.
II... إلى خراب الهيكل
عندما تستعاد النكبة، في الجدول الإسرائيلي، يظهر التناقض بين البدايات والخواتم.
يخيّل إليّ (ومن حقي أن أتعجّل النتائج، وأُسَرَّ بالتوقعات) أن الاحتفالات «الإسرائيلية»، المضخّمة، والاحتشاد الدولي فيها (بعض العرب يتحسّر على عدم الاشتراك) تشي بشكل مضمر باحتفالات الوداع، كأنها احتفال بتوديع القوة الطالقة من وعود الانتصار. وإسرائيل، إن لم تنتصر دائماً، تخسر أخيراً. ولخسارتها دويّ امّحاء النكبة. أو، كأنها احتفالات لتوديع الأحلام الكبيرة: إسرائيل الكبرى ماتت، إسرائيل الوسطى تقلّصت. إسرائيل الصغرى تنوص، غزة المحاصرة حتى الاختناق، تقاتلها وتصيب. الضفة المتعبة، تقاتلها وتصيب. المقاومة في لبنان، تقاتلها وتصيب.
إذاً، تحتفل إسرائيل وهي تفقد الأمل، لاستعادة الألم. مسيرتان متناقضتان: نحن، من النكبة إلى الأمل. هي، من الأمل إلى خراب الهيكل.
وما جاء أعلاه ليس شعراً ولا نبوءة: كان الفلسطيني في شتات عربي ودولي، حاملاً نكبته ووعده بالعودة، ظلّت يداه ممسكتين بمفاتيح الرجوع. البنادق خارطة طريق ودم. الخنادق أول الضوء وجواز عبور إلى فلسطين. استأجرت الأنظمة فلسطين، احتكرت حقل النكبة وأقامت فيه. كانت جزءاً من خردة الأنظمة وأسلحتها المتهالكة وسجونها العامرة بالناس.
ذات احتفال، بذكرى النكبة، في بداية وقوعها، استدعت حكومة دمشق، بعد النكبة، خيرة كُتّابها وشعرائها وإعلامييها، لنصرة فلسطين. بين المدعوين الشاعر عمر أبو ريشة، واكتشف الشاعر أن نكبة أخرى ستحل بفلسطين في هذا المهرجان. سيتم اعتلاء فلسطين من هازميها والمتخلين عنها.
وقف الشاعر، والصفوف الأمامية حافلة بالرؤساء والوزراء والحكام وتجرأ على القول، مشيراً إلى «الخونة» أمامه:
لا يُلامُ الذئبُ في عدوانه إنْ يكُ الراعي عدوّ الغنمِ
إن أرحامَ البقايا لم تلدْ مجرماً مثل هذا المجرمِ
وأشار بإصبعه إلى الصف الأمامي.
يومها، سقطت حكومة. ماذا لو قيلت اليوم؟ الجواب: «ما لجرح بميتٍ إيلامُ».
ما يلفت الانتباه، أن طقس النكبة، لم يعد ضمن روزنامة الأنظمة العربية، وهذا فأل حَسَن
III دولة عظمى... أم قرى أمامية
لا يمكن النظر إلى النكبة، لتأصيل حضورها في العقل السياسي، إلا إذا اقترن هذا الحدث الكارثي، بالحدث التاريخي، الذي سجّلته المقاومة في 25 أيار من العام ألفين.
ولا يمكن التصريح بالأمل، لاستضاءة المستقبل، إلاّ إذا اقترن الفعل التأسيسي، بنتائج عدوان تموز على لبنان في عام 2006. ولا يجوز التراخي أمام الشدّة الراهنة، بإعفاء الزمن العربي من إنجازات الانتفاضتين، الأولى والثانية.
كما لا يمكن استقراء المصير الإسرائيلي، إلاّ بعد معاينة إسرائيل، وهي تنتقل من دولة عظمى إلى مجموعة قرى أمامية، تنهال عليها صواريخ الفقراء... تحار كيف تتعامل مع لاجئيها اليهود.
لا يمكن النظر إلى النكبة، إلاّ باليد اليمنى. والإصبع على الزناد، والعقل في دقّة التصويب والصدق مع القدم، والوفاء للجرح. فإسرائيل ما زالت نمراً في غابة من أنظمة داجنة. ولكنها، قد تصبح نمراً من ورق، ذات ظرف، يبدع فيه الفلسطيني انتصاره، والعربي نهضته ومقاومته.
ولا يمكن النظر، بتفاؤل ذكي، إلى مآلات النكبة، في بدايات هذا القرن، من دون الاعتبار من خبرة الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان.
إن أميركا العظمى جداً، أو، ما بعد العظمى، مضطرة إلى أخذ دروس وعبر، من تكنولوجيا متفوّقة صمدت في وجهها كلمة من حرفين: لام ألف، لا غير. حرفان، صُرّفا بصيغتي الأمر والمستقبل. إن لا، تضارع فعل التكنولوجيا، في العراق وفلسطين ولبنان.
فالنكبة، في هذا المنظار، تدخل في مسار الانتفاء. وسيكون ذلك، خارج منطق الإعجاز، أنه منطق الإنسان في مواجهة قدره بيديه ودمه وعقله.
IV اغتصابان
عبثاً يهربون من فلسطين.
«إنها أمامكم وخلفكم وفوقكم وتحت أقدامكم».
«إنها هنا الآن وغداً».
لقد جنّ العالم في سبع حروب كبرى، بسبب فلسطين، في منطقتنا. والعرب الهاربون من فلسطين، بكامل شعبها وأرضها، إلى تسوية، تشبه وجبة وقف إطلاق النار، سينالون سراب الإقامة في دولهم.
تزول عروش وأنظمة وحكومات وعائلات وأرومات وقبائل وعشائر... وتبقى فلسطين لسببين:
حق بجلاء الوضوح الديكارتي،
وإرادة بقوة تحويل المستحيل إلى حرية.
معنى النكبة عندي، أنها تحريض على ثقافة التحدي، وتعميق لحالة المقاومة.
معنى النكبة عندي، أن فلسطين، في منتهى ضعفها، أقوى من نفط سائب، ومال هباء، وأسلحة لزينة الصحراء.
إنها جزء من الأساس العربي الحديث. كل أساس سواه، بحاجة إلى شرعية، كانت حتى اليوم، شرعية اغتصاب السلطة.
اغتصاب فلسطين، ضمانته استمرار اغتصاب السلطة.
غداً... يعود الحجر الذي رذله البنّاؤون العرب، إلى عقد قران أبدي مع الوطن.
* كاتب لبناني





