مصر بين إسرائيل والشعب الفلسطيني

أداؤنا حيال إسرائيل عكس التشوّهات العميقة في بنيتنا الاجتماعية الموروثة. حتى هزيمة 1948 دارت المواجهة بين عصابات منظّمة حديثة تنتمي موضوعياً للحضارة الأوروبية، وتمثّل أكثر مستوياتها الفنية تطوراً... وكتل فلاحية بسيطة تقودها شخصيات كبيرة ذات قيمة تاريخية مهمة، لكنّ وعيها كان مثقلاً بثقافة وأيديولوجيا إقطاعية تنتمي إلى القرون الوسطى

محمد السيد سعيد *

أتصوّر أنّ وعيي بإسرائيل والمسألة الفلسطينية مر بمرحلتين: الأولى سبقت يونيو 1967 والثانية دهمتنا بعدها بالطريقة ذاتها الذي يدهم به قطار صبياناً يمرون دونما انتباه على قضبانه. فرغم الاستثمار العاطفي الهائل الذي وضعه نظام ناصر في العداء للصهيونية وإسرائيل ظلت حقيقة بعيدة نسبياً عن التجربة المباشرة للمصريين. الهزيمة وحدها جعلت إسرائيل قضية مصرية حقيقية بل وموضوع مناظرة يومية ربما في كل بيت ثم إنها جعلت منها مكثفاً درامياً لكل الاختيارات الصعبة في التاريخ الشخصي وفي التاريخ السياسي للأمم. فكل هؤلاء الذين يرون الحياة مجرد فرصة للكسب والعيش بعيداً عن المشاكل والمخاطرات والأحلام الكبيرة أيّدوا الساداتية ومشروعها في خلع مصر من فلك الصراع مع إسرائيل، وكل هؤلاء الذين يفهمون الحياة مرتبطة بمعنى الوطن وحقه في النهضة وفي العدالة قاوموا وحاولوا فعلياً تحمّل مسؤوليتهم التاريخية في النضال ضد إسرائيل.
ومع ذلك، فوعي جيلي بإسرائيل كان ولا يزال محصوراً في مشروعنا الوطني المأزوم والمؤجل على نحو درامي. كنا وما زلنا نرفض إسرائيل لأنها سرقت واغتصبت وطردت وشردت. وبدت إسرائيل استمراراً لتجربتنا مع الاستعمار وهي تجربة لم نعشها بأنفسنا ولكنها كانت حاضرة في ذاكرتنا الوطنية كإهانة بأثر رجعي وكان المطلوب تصفية الحساب معها وربما مع تاريخ طويل للغاية من الإهانات امتد لأكثر من ألفي عام. ومن ثم كرهنا اسرائيل بصفتها استعماراً وهو معنى يشمل العنصرية والاغتصاب والتشريد ولكنه لا يمنحها تركيزاً كافياً ربما لأننا في مصر لم نشهد العنصرية على نطاق جماهيري.
من تناقضات الوعي في جيلي أنّ رفض اسرائيل كان مستقلاً نسبياً عن التعاطف مع مأساة الشعب الفلسطيني. والواقع أنّ هذه المسألة بالغة الأهمية وهي تتلون بالموقع السياسي والطبقي. لقد فهم اليسار مأساة الشعب الفلسطيني وبالغ أحياناً في الرهان عليه. فكانت النظرية الشائعة قبل زيارة السادات للقدس أنّ الشعب الفلسطيني يؤدّي دور الشرارة في الثورة المصرية والعربية الهادفة إلى حسم الصراع ضد اسرائيل وأميركا والاستبداد على المستوى المحلي.
البورجوازية المصرية لم تتعاطف قطّ مع الشعب الفلسطيني، على العكس، فالبيروقراطية الأمنية التي كوّنت قلب نخبة الدولة منذ عام 1952 نفرت ورفضت الفلسطينيين ربما بأكثر مما كرهت اسرائيل. ويعود ذلك الى أنّها تشكّلت هي ذاتها مع الوقت وكأنها استعمار في علاقاتها بالمصريين أنفسهم فما بالنا بالفلسطينيين. وللأسف لم نوثق بعد تاريخاً طويلاً للغاية من سوء المعاملة والتحقير وشتى مظاهر الكراهية والنفور من الفلسطينيين عموماً ومن المناضلين منهم بالذات، إذ خشيت السلطة البيروقراطية الوسيطة بالذات التي جرف النظام الأمني الصارم وعيها الإنساني كليّة من قيام الفلسطينيين المقيمين في مصر بصورة مؤقتة أو منتظمة بـ«تثوير المصريين» وخدش الأمن في سياق نضالهم ضد إسرائيل. ولذلك لم تسئ معاملتهم فقط بل قامت بترويج أسطورة أنّهم ورّطوا مصر في صراع لا علاقة لها به وأنهم هم المسؤولون عن ضياع فلسطين وأنه لا مجال لاستمرار الإسناد المصري الاستراتيجي للشعب الفلسطيني حتى لا يستمر الفقر والتخلف في مصر! واليوم تتكشّف هذه الأكاذيب التي جرى ترويجها حتى قبل زيارة السادات للقدس.
يملي عليّ ضميري إثارة هذه القضية لأنّه ليس هناك مَن يثيرها علناً حتى الآن. وبكل صراحة ووضوح ربما تعطّلت عملية تحرير الشعب الفلسطيني لأننا بالذات كنا ننفر ونرفض إسرائيل بأكثر بكثير مما كنا نتعاطف مع هذا الشعب الذي شرّدته هذه الدولة المجرمة.
وتعرّض وعينا بإسرائيل لاضطراب أشد كلما ابتعدنا عن الخبرة العملية بالاستعمار وكلما نأينا بأنفسنا عن اكتساب الثقافة التحررية والنهضوية الحقيقية. ولذلك صار وعينا بإسرائيل دينيّاً بحتاً تقريباً. وهذا هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لأن نفورنا من إسرائيل يفقد ارتباطه بطبيعة إسرائيل الاستعمارية وبمهمتها في إطار المعسكر الاستعماري وتصبح موجهة لشعب ما بصفته الدينية. إنّ غلبة المشروع الديني في وعي الأجيال اللاحقة لوّنت الموقف من إسرائيل بالوعي نفسه.
وأتصور أنّ هذه كانت من بين الإيجابيات العظيمة في الخطاب الناصري على الأقل من حيث الشكل. فقد أصرّ على التفرقة بين اليهود والإسرائيليين أو بين اليهودية والمشروع الصهيوني كما أصرّ على أنّه ليس لنا موقف عدائي من اليهود بصفتهم الدينية بل لإسرائيل بصفتها الأيديولوجية والسياسية وبما قامت به من جرائم. واليوم فإنّ رفض إسرائيل في صفوف تيار الإسلام السياسي والثقافي يقوم حصراً على الدين ويتم تصوير التناقض على أنه استمرار للصراع بين اليهود والرسالة الإسلامية منذ فجر الدعوة المحمدية.
وفي تصوري أنّنا لن نستطيع الانتصار أبداً على إسرائيل طالما تغلّب هذا النمط من الوعي. فهو يجرّد القضية من تاريخيتها وهو أيضاً ينهض على الاعتقاد بتناقض سرمدي مع اليهودية. ولأنّ هذا النوع من الرفض يمتد إلى جميع العقائد الأخرى فهو يعفي إسرائيل من جريمتها المحدّدة كما يتجاهل أهمية الشعب الفلسطيني في الصراع كله. والأسوأ أنه قد يمهّد لعملية تكوّن تحالف مضاد بين أصحاب العقائد والأديان الأخرى ضدنا نحن بصفتنا مسلمين وهو ما نشهده في السنوات القليلة الأخيرة. ولم يعد للطابع العنصري لاسرائيل أي ثقل في تعبيرات هذا الوعي الديني المسطح لأنه هو ذاته صار ـ وكان في صيغته الوهابية بالذات ـ عنصرياً طول الوقت.
أحد الأحلام الكبيرة في تاريخي الشخصي والسياسي والفكري بالطبع هو أن أشهد بداية لهزيمة قوية للصهيونية وإسرائيل واسترداد الشعب الفلسطيني لحقوقه السياسية والمدنيّة وعلى رأسها بالطبع حق العودة وفقاً للقرار 194.
ولكنّي أعي أنّ هذا الحلم لن يتحقق إلا إذا تصحّح وعينا بالعدو وأيضاً بالفلسطينيين وبالحلفاء المحتملين وإلا إذا تصحّح وعينا برسالتنا في التاريخ كمجتمع وكأمة.
لقد عكس أداؤنا حيال إسرائيل التشوّهات العميقة في بنيتنا الاجتماعية الموروثة والمتغيرة فضلاً عن تشوّهات الوعي التي تحدثها هذه البنية. فحتى هزيمة عام 1948 دارت المواجهة بين عصابات منظمة حديثة تنتمي موضوعياً للحضارة الأوروبية وتمثّل في جوانب معيّنة أكثر مستوياتها الفنية تطوراً وكتل فلاحية بسيطة تقودها شخصيات كبيرة وذات قيمة تاريخية مهمة لكنّ وعيها كان مثقلاً بثقافة وأيديولوجيا إقطاعية تنتمي إلى القرون الوسطى. ولم يتغير هذا القالب للصراع بعدما تسلّمت البيروقراطيات الأمنية العسكرية المنحدرة من الطبقة الوسطى قيادة المجتمعات العربية وقيادة الصراع ضد إسرائيل إلّا في اللغة الثورية وحدها. وتحول الصراع إلى حروب بين جيش عنصرى منظم وفائق التطور ويعكس مكتسبات المجتمع الأوروبي الحديث من ناحية وجيوش «عالم ثالثية» أو بالأحرى عربية ضخمة من حيث العدد والتجهيزات وبسيطة من حيث الكفاءة والديناميكية والقدرات الثقافية والتخطيطية. فالوعى البيروقراطى فى المجتمعات المتخلّفة بالذات يصبح أقرب لنمط الوعي الفلّاحي ولا يختلف عنه كثيراً وخاصة بعد أن يتم تجريده وإخلاؤه كما حدث بالفعل بعد وفاة عبد الناصر بالذات من الإحساس بالرسالة. وقد هزم هذا الوعى البيروقراطى فى تقديري لأنه اتّسم بالسطحية الشديدة فى فهم الصراع وكيفية الظفر به.
وببساطة لم يكن من الممكن أن ننتصر بوعي تتغلب فيه قوالب بيروقراطية هى نتائج ذهنية تغلّب الشكل على المضمون وتتوق لوراثة الاستعمار والبورجوازية لا لتصفية قيمهما. وللأسف فإن هذا الوعى البيروقراطى ركّز على حصر الصراع فيما بين «نظامين» وعزل الشعب تماماً عنه حتى إن «جيل الثورة» أي جيلي لم يكن يملك أية معلومات حقيقية عن الشعب الفلسطينى أو التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي الذى وقعت فيه النكبة. ولم نكن نعلم سوى القشور وسوى أكثر المقولات تبريرية عن أسباب النكبة عام 1948. وكُرّر التجهيل نفسه بعد نكبة 1967 ووقع دفن مشروع توثيق الهزيمة وأسبابها لأن البيروقراطية الأمنية لم تكن تريد أي شيء يلقي بظلاله وشكوكه على مشروعية هيمنتها الجاهلة على المجتمع ونزعها لحيوية وتنظيم هذا المجتمع مستقلاً عن الدولة وعن نخبة الحكم البيروقراطى.
وحالما رحل ناصر اكتملت عملية نزع الأخلاق والقيم الثورية والوطنية الحقّة والمحض لغوية أيضاً من وعي البيروقراطية الأمنية والعسكرية. وبعدما تمكنت هذه البيروقراطية من أن تغادر ساحة الصراع مع إسرائيل وبناء تحالف قوي للغاية مع أمريكا بدأت تغيير وعي المصريين بالصراع كله. ما أريد أن أؤكد عليه هنا أن مجمل السياسة المصرية حيال اسرائيل تحدّد بالقيود والقصور الشديد فى الوعي الجماهيري وخاصة ذلك الذى ساد فى صفوف البورجوازية البيروقراطية والأمنية فى مصر بإسرائيل وبالقضية الفلسطينية.
وقاد هذا القصور إلى نتيجة أشد وطأة. فقد انتقل الوعي الشعبي من الإطار الوطني بتشوّهاته البيروقراطية إلى الإطار الديني البحت. وبدلاً من تجاوز الوعي البيروقراطي المتشىء بإسرائيل وبالصراع معها بإدراك طبيعته الإنسانية والسياسية التاريخية والموضوعية جرى حشد هذا الوعي بحشو أسطوري مماثل لما تتسم به الايديولوجيا الصهيونية ذاتها.
والواقع أن هذا الحشو الأسطوري هو جزء من الردة الثقافية الشاملة التى قادتها البيروقراطية الأمنية والعسكرية فى مصر فى مقتبل حكم السادات بل وكانت بعض ملامحها قد بدأت حتى فى ظل عبد الناصر وضد سلطته الثورية.
وبالنسبة إليّ ما زلت أشعر بالألم الشديد من تلك التحوّلات. أكثر اللحظات يأساً وألماً فى حياتي كانت عندما استقبل المصريون الرئيس الأمريكى نيكسون استقبال الأبطال وذلك بعدما ساعد إسرائيل بشدة على الهجوم المضاد الذى كاد يؤدي إلى هزيمة مرعبة ووصول القوات الإسرائيلة الى 101 كليومتر فقط من القاهرة فى 1973. أما ثاني هذه اللحظات فهي زيارة السادات للقدس واستقباله هو نفسه استقبال الفاتحين وهو أمر كان منظماً بالطبع ولكن كانت فيه أيضاً بعض العفوية الشعبية. وكانت تلك اللحظة بالذات نفياً موضوعياً قاسياً للهبات الشعبية الوطنية التى سادت تاريخ مصر حتى حرب أكتوبر.
والحقيقة أني لم أشفَ شخصياً بعد من آثار هاتين اللحظتين الأكثر عذاباً فى حياتي حتى مقارنةً بيوم 9 يونيو 1967 الذي اعترف فيه عبد الناصر بالهزيمة التى لم أشأ انا الاعتراف بها رغم علاماتها الكثيرة التى ظهرت منذ 5 يونيو. وعلى العكس فإن شعوري بأن الوعي العام بالصراع على المستوى الأيديولوجي ساء أكثر حتى لو أنه انقلب إلى نقيض تلك اللحظة القاسية. لقد صار رفض اسرائيل شاملاً الآن. وأصبح من المؤكد أن المصريين يرون فى إسرائيل خطراً شديداً. ولم يعد يحلم باللحاق بأمريكا سوى أكثر العناصر الليبرالية بعداً عن الواقع. ومع ذلك فإن الرفض يتلوّن بالمشروع الديني الوهابي السلفيّ لا باللون التحرري الذى كنت وما زلت أنتمي إليه بوجداني وعقلي معاً.
ورغم هيمنة المشروع الديني السلفي فثمة بشارات كثيرة بإمكان استرداد وإثراء الوعي الشعبي بالتاريخ الحقيقي للصراع ضد الصهيونية كمشروع احتلالي إحلالي وعنصري. ويكفينا دليلاً على ذلك رد فعل المصريين من كل الطبقات وبالذات الشعبية المناصر للانتفاضة الفلسطينية عام 2000. لقد خمد هذا التعاطف والتأييد بحكم سلسلة الأخطاء التى ارتكبتها السلطة الوطنية وحماس. ولكن كون هذا التعاطف قد وقع على أرضية مشروع متقدم للوعي الوطني والنضالي القومي ينعش الأمل فى انطلاق النضال الشعبي المصري ضد إسرائيل وأمريكا.
ويهمّني أيضاً أن أُشير إلى قيمة الإسناد العاطفي والسياسي للشعب الفلسطينيّ.
كانت الانتفاضة الأولى هى المرة الأولى فعلاً التي يظهر فيها هذا الإسناد للفلسطينين. وتكرّر ذلك بوعي أشد وأعمق وأعرض فى سياق انتفاضة عام 2000.
والواقع أنني كنت أشعر بالفخر لأن الشعب المصري عاد لفهم المأساة الفلسطينية وتبنّي النضال الفلسطيني وإسناده لا لمجرد النفور والرفض لإسرائيل وأمريكا. كان هذا الوعي يترجم التراث الإنساني والتاريخي والرسالي للمصريين.
ثمة الكثير مما يجب أن يقال فى هذا السياق. وقد تغيرت أشياء كثيرة. ولكنني أختصر هنا الموضوع فى مسارات الوعي. وقد انكسرت هذه المسارات كثيراً. غير أنني متفائل بإمكان جمع وتضفير تلك الميول العميقة للمصريين وإنتاج فهم حقيقيّ للصراع مع إسرائيل يكفل لنا كسبه. وما أشعر بالتأكد منه هو أن الوعى المتقدم والضروريّ بإسرائيل ومهمات النضال ضدها واسترداد حقوق الشعب الفلسطينى سوف ينمو بالمعدلات نفسها لاسترداد وإثراء المشروع الوطني المصري القائم على الحرية والعدل. وأتمنّى أن أشهد بداية عملية الاسترداد والإثراء هذه.

* كاتب مصري