النكبة... الآن

سميح القاسم *
أشعر بالغثيان حين يدور الحديث عن النكبة بتواريخ، فهي لم تحدث في الماضي، ولكنها حادثة الآن، ولا يجوز الحديث عنها بصيغة الماضي، فهي قائمة ومستمرة، بشكل لا يقل قبحاً وألماً عما حدث في عام 48.
النكبة فعل حاضر، وليست فعلاً ماضياً، والسؤال هو كيف يمكن تحويل هذا الفعل إلى ماض في المستقبل. الآن النكبة فعل حاضر، لكن كيف نحوله في المستقبل إلى ماض؟ أرجو ألا يأتي مستقبل ويكون هذا الفعل فيه حاضراً.
النكبة متواصلة في وجعنا وألمنا، ولذلك أنا لا أحيي ذكرى النكبة، فلست من بلادة الإحساس بحيث أتحدّث عن إحياء ذكراها بصفتها حدثت في الماضي، بينما هي تحدث الآن؛ فالتواريخ متروكة للمؤرخين، وهي شأنهم، أنا لا أطالب بإلغاء الروزنامة، لكن أرفض إلغاء إحساسي وأجعله مرتبطاً بروزنامة المآسي والخسارات العربية والانهيارات القومية.
هناك مدرستان في الإعلام والسياسة تعاينان واقع العرب الراهن، وخصوصاً في شقه المفتوح على الدم، أي الشق الفلسطيني، الأولى وهي الأسوأ تقول بعبثية النضال، وتصفه بأنه إهدار للطاقات والدم والوقت، وهذا التيار مهين ومشين، لأن جدوى النضال ملموسة في الحياة اليومية.
والتيار الثاني يأنس إلى أن ثمة فلسطينيين يضحكون، ويتزاوجون ويحبون، ويكرهون، ويستشهدون ويكتبون شعراً. إذن الحياة مستمرة، وهذا الشعب لم يمت؛ يبدو أنه لم يمت، وأي تقرير طبي لن يصدر شهادة وفاة له فهو حي، ومغزى حياته ألا يكون المستقبل حاضراً في النكبة، بل يكون المستقبل ماضياً للنكبة، وحاضراً لشيء جديد يولد، لحرية وكرامة، واسترداد كرامة منهوبة، وإنجاب الأطفال بلا قلق، والحلم بمستقبلهم.
وفي السياق ذاته، لا أنفك أسأل في غير مناسبة أو حوار أو لقاء: ماذا يبقى من شعر المقاومة في ظل مفاوضات السلام، وفي ظل دخول نكبة فلسطين عامها الستين؟
من وجهة نظر شخصية، أقول: ما دام بقي هناك احتلال، ستكون هناك مقاومة، وسيظل هناك شعر ليس متعاطفاً مع المقاومة، ولا مؤيداً لها، ولكن القصيدة بحد ذاتها، حتى وإن كانت قصيدة حب أو قصيدة في وصف وردة، هي جزء من عمل المقاومة، وهكذا يكون شعر المقاومة، من دون صراخ ودم، فهو وعي وروح وحاجة إنسانية.
وباختصار فليزل الاحتلال وليذهب شعر المقاومة إلى الجحيم.

* شاعر فلسطيني