إسرائيل؟ مشكلة من المستقبل!
نهلة الشهال *
النكبة التي تحل ذكرى وقوعها الستون ما زالت مستمرة إلى اليوم. لن أعدد الوقائع، فالجميع يعرفها، ولن أناقش وأحاجج، فالمسألة لا تقع في باب الإقناع ولا القناعات. نشرت الـ«غارديان» البريطانية على غلافها الأخير وجوه مَن تتكوّن منهم فلسطين، أو يكوّنون خارطتها: رجال ونساء من كل الأعمار والأوضاع، وعنوان يقول «إسرائيل: الاحتفال بستين عاماً على ماذا؟»، ثم النقاط الأبرز من النكبة (التي أسمّيها مستمرة، وإلا فلا معنى للإشارة إلى المناسبة)، وبأن ثلثي الفلسطينيين قد طردوا بالقوة عام 1948، و530 قرية أفرغت ودمرت، وأنهم اليوم يكوّنون أوسع كتلة لاجئين بحيث إن واحداً من كل ثلاثة لاجئين في العالم هو فلسطيني، وأن إسرائيل اليوم تقع على 78 في المئة، إلخ. إلخ !
لكن نص غلاف الـ«غارديان» يسأل في النهاية عما إذا كانت «ستون عاماً من هذا هو شيء يستدعي الاحتفال؟» بينما حسني مبارك يرسل تهنئة بالمناسبة إلى نظيره الإسرائيلي شمعون بيريز: متى يا قوم تعتادون الواقعية، والممارسة الحضارية؟ ثم هي مسألة تهذيب.
النكبة التي تحل ذكرى وقوعها الستون ما زالت مستمرة إلى اليوم، ليس لأن الفلسطينيين يمثّلون كذا وكيت من نسبة لاجئي العالم، وإسرائيل تحتل كذا وكيت من مساحة الأرض وتنكر كل الحقوق، بل وتسرق حق الفلسطينيين باليأس، أو كما يقول بني تسيفر، المعلق الكبير في هآرتس، تحتكر الخوف وإعلان اليأس فيتحول اسم يأس الفلسطينيين إلى «إرهاب»، إنها مستمرة بسبب ضياع أو تضييع الموضوع.
والموضوع هو موقفك، والمسألة تتعلق بالقيم التي تنحاز إليها وتدافع عنها... ها أصحاب الذكاء الحضاري يبتسمون هازئين، واثقين بقناعاتهم الواقعية، مستشرفين من هذا الكلام دعوة إلى استعادة منهج «صوت العرب من القاهرة» والجعجعة بلا طحن. أو هم يناقشونك في ترتيب الأولويات، وهل الوطني قبل القومي؟ أم الاجتماعي قبل الوطني؟ وهل هناك أصلاً شيء اسمه قومي، وما برهانك؟ وما دخلك بفلسطين؟ وهل أنت متأكد أن دافعك هو الحق أم أنك شوفيني، متعصب، أيديولوجي..؟ وعلى فرض أن هناك شيئاً اسمه فلسطين، وأنك معني به، فهل تبرر اتخاذه ستارة لتأبيد القمع والتخلف والنهب، بحجة أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، فتكون إصابة عصافير عدة بحجر واحد، فلا معركة ولا أصوات؟ وإن شرحت أنها كلها أولويات متداخلة، متصلة ومتبادلة التفاعل، قيل لك إنّ جوابك نظري...وكما هو معروف، فالنظري غير واقعي، وهو يعني «التفلسف».
أما قمة الواقعية، فهي الإلقاء بوجهك بواقع الفلسطينيين: الفساد والشقاق المنتشرين، ثم يا أخي هم تصالحوا مع إسرائيل، فهل أنت ملكي أكثر من الملك؟ هل ستعتد بأن إسرائيل تؤدي دوراً إقليمياً نشأت من أجله أو أنشئت، وأنه بخلاف ما قيل عند احتلال الأمريكان المباشر للعراق، فهذا الدور لم ينته، وأن إسرائيل كنموذج لتغليب القوة على الحق، لتزييف الوقائع وتحويرها، للاستقطاب الطائفي والعرقي أساساً للانتماء... مرشح للتعميم؟ كلام قديم، فالعالم أصبح معولماً، مفتوحاً. ولكني لا أرى إلا مزيداً من الجدران ترتفع: الـ 700 كيلومتر، أو الجدار الذي بنته إسرائيل في الضفة ـ وتسميه سياجاً: يا للرقة! ــــ وهو يخط كأفعى متلوّية لأنه كان ينبغي على أقل من 200 كيلومتر طول أن تستوعبه، الجدار الذي يبنيه الأمريكان حول مدينة الصدر قرب بغداد، بعدما سيّجوا المنطقة الخضراء، ثم الجدران الأخرى: متاريس التدقيق في الهوية، آلاف كاميرات المراقبة التي تحصي حركة كل الناس كل الوقت في كل مكان، جوازات السفر البيومترية...كيف تكون إسرائيل مشكلة من الماضي عندما تكون نموذجاً يتحقّق تعميمه وتحويل منطقه إلى عادي شائع؟
تريدون الحق؟ النكبة مستمرة لأن حس رفض الظلم والاحتجاج عليه يخبو، لأنه يحدث تآلف مع البشاعة. كلام أخلاقي، يقول «الواقعيون»...مدافعين عن أكثر الأوضاع واقعية: شريعة الغاب!
* كاتبة لبنانية





