بين بومدين وبن غوريون

نجوان درويش *
فكّرتُ في المفارقة التي تنطوي عليها رحلة تبدأ من مطار صنعته الثورة الجزائرية ومنحته اسم هواري بومدين بعد وفاته؛ وتنتهي بمطار سرقته الحركة الصهيونية وألصقت به اسم «بن غوريون»..
الرحلة التي تمرّ أيضاً بـ«مطار الدوحة» في قطر، ومطار «الملكة علياء» في عَمّان لتقلع بك واحدة من طائرات «الملكية الأردنية» إلى «مطار اللّد» ــــ الذي أُلصق به اسم «بن غوريون».
خط رحلة يجمع المغرب العربي و«الخليج» و«الميدل إيست»، ويتيح بانوراما شاسعة للنظر إلى النكبة (والذات) من زوايا وحالات مختلفة.
كان هذا صباح الرابع عشر من أيار/مايو، حين غادرتُ الجزائر مع شعور براحة غريبة لفكرة أني سأقضي «يوم النكبة» في سفر بين المطارات. هذا يسمونه العلاج بالتشرد، مثل أن تضيّع نفسك من حين لآخر. لم يزعجني بتاتاً كون هذه الرحلة العجيبة تستدعي استعمال أربعة مطارات، وإنفاق 35 ساعة بين سفر وترانزيت، من أجل الوصول إلى فلسطين. خطر لي أنها رحلة مثالية لواحد من الجيل الثالث من اللاجئين الذين أسفرت عنهم هذه «النكبة» ــــ التي «تحيي» الفضائيات العربيّة ذكراها اليوم، كل واحدة على هواها.
بدت لي هذه طريقة مناسبة لقضاء «يوم النكبة» الذي يمتد في الواقع على مساحة يومين. الرابع عشر: يوم الإعلان عن قيام «إسرائيل»، والخامس عشر: اليوم الرسمي لـ«ذكرى» النكبة في التقاويم. (لا أعرف العبقري الذي فصل بين اليومين! أليس يوم «إعلان قيام إسرائيل» هو ذاته يوم النكبة؟).
فكرت أيضاً في أن واحداً «همّه كهمّي»(بتعبير طَرفة بن العبد) لن يكون في هذا اليوم سوى فرشاة، بيد قدر يترك ضرباته الخاطفة على لوحة المصير. ضربات تناغم وتنافر بين قدر شخصي وأقدار جماعية. بين الانشقاق الجذري لحياة مغامر، وبين الانتماء الكامل لإنسان يحمل همّ أُمَّة مُضيّعة. بين التعرّض لكل المشاعر المتضاربة في سحابة يوم ونصف يوم. بين أن يودّعك إخوة جزائريون ـــــ ترى حرية بلادك القادمة فيهم؛ وأن «يستقبلك» محتلّون يحتفلون بالذكرى الستين لسرقة بلادك. ولعل أكبر استفزاز تتلقاه في المطار، كان أن يعرض عليك المحقق الإسرائيلي شرب القهوة! وإهانة أخرى حين ينهي التفتيش والاستجواب ويخلي سبيلك وهو يقول بالإنكليزية «إقامة طيبة»!
تفكر بينك وبين نفسك إن كان المحقق يدرك معنى أن يعرض على فلسطيني قهوة في يوم النكبة... وأن يقول له «إقامة طيبة» التي تقال لزائر أجنبي؟ وتظلّ غير موقن إن كان الأمر سفالة محقق أم سخرية قدر ينكّل بك.
الأعلام الإسرائيلية المعلّقة بصلافة على أعمدة الكهرباء على طول طريق «تل أبيب/ القدس» ــــ التي هي طريق يافا القدس... تبدو في العتمة مثل غربان زرقاء ميتة. على كل عمود شنقوا غرابين. طالما تراءت لك الأعلام الإسرائيلية غرباناً زرقاء كريهة، وخصوصاً حين تشوّه شوارع القدس في «أعيادهم الوطنية»، لكنك تتيقن هذه المرة أنها غربان ميتة.
السيارة تعبر واقعاً له مواصفات الكابوس. لكنك تشعر بارتياح لأنك تعرف أنه كابوس وحسب، وها هو هواء فلسطين الشجيّ يصفع وجهك، فتبتسم رغم كل شيء. هو الهواء الذي تصعّر له خدك باطمئنان.
تتذكر أنك مشيت لساعات طويلة بعد منتصف الليل الصحراوي الحار في «الدوحة»، قبل أن تعود للفندق لتنام حتى موعد طائرتك، ريثما ينتهي الترانزيت. تتذكر أنك كررت مقاطع من أغنية ميلودرامية مبتذلة حتى بحّ صوتك... كررتها في سعادة عدمية، لأنك تمشي تحت سماء مفرغة، ولا أحد يعرف أين أنت أو من أنت... ولا أحد يسمعك. تتذكر أنك شاهدت عزمي بشارة في اليوم التالي ــــ من تلفزيون الطائرة ــــ يتحدّث «من أستوديو الجزيرة في الدوحة». تحليله متين كالعادة. وخطر لك أنه هو الآخر غادر فندقه ليلة أمس، وخرج مشياً يبحث عن مقهى، وأنه كان مثلك يمشي في الشوارع بلا هدف، وأنه كان يردد الأغنية الميلودرامية نفسها (هي أغنية مصرية بالمناسبة)، وأنه تعب مثلك وعاد إلى الفندق. غريب... كيف لم تلتقيا في بيداء القومية العربية تلك الليلة؟

* شاعر فلسطيني، من أسرة «الأخبار»