نموّ بلدان «MENA» في فضاء «البيئة الخارجيّة»

عائدات السياحة 29.2 مليار دولار والنفط 610 مليارات دولار... ولكن حذارِ «المدى القريب»

كم ستؤثّر تطوّرات البورصات العالميّة على إقتصادات المنطقة؟ (كيم كيونغ هون ــ رويترز)كم ستؤثّر تطوّرات البورصات العالميّة على إقتصادات المنطقة؟ (كيم كيونغ هون ــ رويترز)ليس النموّ الذي تشهده اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مجموعة «MENA») مستقلاً عن التطوّرات الدوليّة، وإن كان قد حافظ على ثباته رغم أزمة الائتمان التي تعصف بمراكز العولمة. فما هي فوائد البيئة الخارجيّة التي تمظهرت خلال العام الماضي، وما هي آفاق السياحة والتجارة الخارجيّة... حتّى عام 2010؟

حسن شقراني

أصبح جلياً أنّ البلدان النامية، وبينها تلك المنتمية إلى مجموعة «MENA»، أي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استطاعت تجنّب أزمة الائتمان العالميّة والاضطرابات في الأسواق الماليّة، التي كبحت النموّ في البلدان المتقدّمة.
فقد حقّقت البلدان المعنيّة نسبة نموّ قدرها 5.7 في المئة العام الماضي، متراجعةً 0.1 في المئة عن العام السابق، وأكملت مسيرة النموّ المتجاوزة نسبته 5 في المئة على مدى خمس سنوات، وذلك رغم 3 عوامل اعتبرت العلامات الفارقة في الاقتصاد الكوني: 1 ـــــ أزمة الرهونات العقاريّة الأميركيّة وما ولّدته من اختلال في سوق الائتمان. 2 ـــــ ارتفاع أسعار النفط. 3 ـــــ المستويات القياسية التي سجّلتها (ولا تزال) أسعار المواد الغذائيّة، الخام والمصنّعة.
فتلك الصدمات وازنت بعضها في مجموعة «MENA» لتشكّل في النهاية حقنة نموّ جديدة لاقتصادات ريعيّة، تعتمد على تصدير النفط وعلى الخدمات والسياحة وتصدير خجول للسلع المصنّعة إلى البلدان المتقدّمة، فيما القطاع الزراعي لا يزال يعاني من التهميش الذي تفترضه سياسات إعادة الهيكلة. ولمقاربة تطوّر الاقتصادات المذكورة، والأنماط التي يمكن أن يتّخذها، يجدر إلقاء الضوء على القطاع الخارجي، الذي ركّز عليه تقرير البنك الدولي المعنون بـ«التطوّرات الاقتصاديّة والآفاق لمنطقة MENA»، وخصوصاً أنّ النموّ المتوقّع يعتمد على حيويّة التبادل بين بلدان المنطقة ومراكز العولمة وأطرافها.

أسواق النفط

الضغوط التي عانت منها الأدوات الماليّة في البورصات العالميّة، دفعت المستثمرين إلى اعتماد توليفات جديدة في محافظهم الماليّة، حظي النفط (إضافة إلى المواد الغذائيّة) بحصّة الأسد منها. وهذا العامل، إلى جانب ارتفاع الطلب على الوقود في البلدان النامية، رفع أسعار النفط إلى مستويات قياسيّة هي حالياً فوق 140 دولاراً للبرميل.
وبالنسبة إلى البلدان الغنيّة بالموارد في مجموعة «MENA»، فإنّ ارتفاع أسعار النفط خلال العامين الماضيين، إلى جانب الارتفاع في الإنتاج والتصدير، أمّنا نموّاً للعائدات بنسبة 40 في المئة. مع ارتفاع العائدات النفطيّة من 435 مليار دولار إلى 610 مليارات دولار. ومعظم تلك العائدات (نحو 75 في المئة منها) تركّزَ في البلدان الغنيّة بالموارد والمستوردة لليد العاملة، وبلغت في السعوديّة 230 مليار دولار وفي الإمارات العربيّة المتّحدة 76 مليار دولار وفي الكويت 63 مليار دولار.
وبعدما شهد العام الماضي ارتفاع الطلب على النفط بنسبة 1.4 في المئة (معظمه متركّز في البلدان النامية، فيما انخفض ذلك الطلب بنسبة 0.3 في المئة في بلدان منظّمة التعاون والنموّ الاقتصادي) وانخفاض نسبة نموّ عرضه من منظّمة «أوبك» بـ 1.8 في المئة، يقول التقرير إنّ الطلب على الذهب الأسود سيزداد بنسبة 2 في المئة سنوياً حتّى عام 2010، وسيوازي ذلك ارتفاع في عرض «أوبك» بنسبة 2.3 في المئة، وفي عرض البلدان النفطيّة خارج «أوبك» بنسبة 2 في المئة، الأمر الذي سيخفض الأسعار إلى نحو 70 دولاراً للبرميل في عام 2010.

التجارة الخارجيّة

بلغت قيمة صادرات بلدان «MENA» خلال عام 2007، 800 مليار دولار، بينها 620 مليار دولار ناتجة من النفط والسلع المتعلّقة به، أي ما يمثّل نسبة 77.5 في المئة. وعلى الرغم من ذلك، نما تصدير السلع غير النفطيّة بنسبة 15 في المئة، مقارنة بعام 2006. وبالنسبة إلى الواردات، فقد نمت بنسبة 13.8 في المئة مقارنة بعام 2006، لتبلغ 452 مليار دولار، وتمثّل 22.6 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي للمنطقة. واللافت أنّ حصّة البلدان الغنيّة بالموارد تمثّل 78 في المئة من تلك الواردات، فيما واردات البلدان الفقيرة بالمواد والكثيفة العمالة (وبينها لبنان) نمت بنسبة 25 في المئة، لتصبح قيمتها 105 مليارات دولار.
وفي ما يتعلّق بالتوقّعات حتى عام 2010، فإنّ النموّ في الأسواق الأوروبيّة والأميركيّة هو المحدّد. وفي ظلّ الأزمة التي تمرّ بها البلدان المتقدّمة (يتوقّع نموّ اقتصاد الولايات المتّحدة بنسبة تقلّ عن 2 في المئة خلال العام الجاري، فيما أوروبا ستشهد تحسّناً خجولاً)، يبدو أنّ صادرات المنطقة ستشهد تراجعاً ملحوظاً إلى حين عودة النموّ في البلدان الصناعيّة إلى سكّته الصحيحة.

السياحة

تمثّّل السياحة مورداً مهماً لتأمين العائدات التي تنتج من التعامل مع الخارج، وتمثّل نسبةً كبيرة من الناتج المحلّي الإجمالي، وتحديداً في البلدان المتميّزة بفقرها في الموارد وكثافة في العمالة في مجموعة «MENA»، وهي المغرب وتونس والأردن ولبنان ومصر.
وبلغ حجم هذه العائدات لبلدان المجموعة، 29.2 مليار دولار في عام 2007، مرتفعاً 12 في المئة عن العام السابق. وارتفعت حصّة مصر من عائدات السياحة بنسبة 14 في المئة، لتصبح 8.2 مليارات دولار، بينما بلغت تلك العائدات في المغرب 7.2 مليارات دولار، ما يعني أنّ البلدين الأخيرين يحظيان بـ52.7 في المئة من عائدات السياحة في المنطقة.
ويبدو أنّ النسب القياسيّة المحقّقة عام 2007، معرّضة للتراجع بسبب التطوّرات الاقتصاديّة في البلدان الصناعيّة، التي ممكن أن تعيد الاستقرار إلى هذا القطاع الحيوي، مع حلول عام 2010.

التحويلات والاستثمارات الأجنبيّة

يثير نمط تطوّر تحويلات المغتربين إلى البلدان النامية اهتمام المراقبين. فقد بلغت في العام الماضي 240 مليار دولار. وبالنسبة إلى بلدان «MENA»، ارتفعت هذه التحويلات بنسبة 17.6 في المئة، لتصبح 24.7 مليار دولار. ويأتي هذا بعد ارتفاع بنسبة 14 في المئة حقّقته في عام 2006. وحافظ المغرب في العام الماضي على صدراتها في هذا السياق، فقد بلغت تحويلات المغتربين إليها 6.7 مليارات دولار، فيما حلّت مصر في المركز الثاني بـ6.3 مليارات دولار، وشهد لبنان ارتفاعاً قياسياً في حجم العائدات (50 في المئة) إذ بلغت 1.5 مليار دولار.
وعلى صعيد آخر، جذب النموّ الثابت بين العامين 2003 و2006 الاستثمارات الخارجيّة المباشرة إلى منطقة «MENA»، لتسجّل في عام 2006 رقماً قياسياً: 51.6 مليار دولار، تركّز معظمه في البلدان المصدّرة للنفط، حيث حظيت السعوديّة وحدها بـ17.5 مليار دولار منه. وفي العام الماضي، حافظت على صدارتها في هذا المضمار، وتدفّق عليها 14.7 مليار دولار من أموال الاستثمارت، فيما حلّت مصر في المرتبة الثانية بـ8 مليارات دولار، أي ضعف المحقّق عام 2006.

وقّعات المدى القريب

رغم البيئة الاقتصاديّة الدوليّة التي تفيد بتباطؤ ملحوظ في أوروبا والولايات المتّحدة، سيرتفع معدّل النموّ لبلدان «MENA» إلى 6 في المئة خلال العام الجاري، فيما نسبة التضخّم، ستنخفض إلى نحو 5 في المئة، من معدّلها الحالي البالغ 7 في المئة.
غير أنّ الإفادة من القطاع الخارجي ستنخفض. ويبدو التراجع واضحاً في أداء قطاع الخدمات، وتحديداً السياحة، مع توجّه المستهلكين في الدول الصناعيّة إلى التوفير... وذلك فيما الطلب على النفط سينخفض بسبب الأسعار القياسيّة، ما يؤثّر على عائدات القطاع الخارجي في بلدان المنطقة.



مجرد إشارة

عجز وتعويض

ستعاني البلدان الفقيرة بالموارد والكثيفة العمالة، وبينها لبنان، من تأثيرات البيئة الخارجيّة خلال الفترة المقبلة. ويقول تقرير البنك الدولي في هذا السياق، إنّ العجز التجاري السلعي لتلك البلدان سيرتفع إلى 56 مليار دولار في عام 2010، من 40 مليار دولار خلال العام الماضي، ليمثّل 15 في المئة من ناتج تلك البلدان، البالغ 373.3 مليار دولار. وكما كان الأمر تاريخياً فإنّ العجز في التجارة السلعيّة سيعوّضه نموّ في القطاع السياحي (نحو 9 في المئة حتى عام 2010) ونموّ تحويلات المغتربين التي ستنمو بنسبة 7.5 في المئة خلال العامين المقبلين.


عدد السبت ٥ تموز ٢٠٠٨