كارلوس إدّه: رحلة دفن تأخّر، أو طال...

جان عزيز
كارلوس إده والكتلة الوطنية، خارج 14 آذار. ليس الخروج الأول، ولا هو بالطبع الولادة الثانية... تبدو القصة أقرب إلى رحلة سفر من بعيد، وإلى الأبعد.
قلة عايشوا ذاك النهار من عام 1949. يوم توفي إميل إده، كانت أعوام ستة قد مضت على «نكسة» الرئيس وكتلته، إبّان «أحداث الاستقلال». يومها حاولوا تخوينه، قالوا إنه نفذ أوامر الانتداب. وقال مريدوه إن «الدستوريين» استغلوا الفرصة للانتقام من خصمهم. لكن الأيام شاءت أن ترد للرئيس بعض الاعتبار، سقط العهد الاستقلالي في فخ التجديد. قيل إن المسيحيين لم يحبوا بشارة الخوري، في تلك اللحظة توفي إميل إده. يروي الرواة أن الفقيد حُمل على «الراحات» من صوفر حتى مار جرجس في وسط بيروت. هناك نفّس المسيحيون حبّهم المكتوم، فوقف المطران مبارك الشهير، مطلقاً عبارته الذائعة: «نعشك عرشك، وعروشهم نعوشهم».
في تلك الحقبة، ولدت «روح» الكتلة الوطنية، واختصارها عاملان: «لبنانية» متصلبة حيال الخارج، على بعض «قومية» تلامس الشوفينية، و«كيانية» داخلية، مسيحية بخاصة، تتعامل على طريقة رد الفعل مع الفكرة اللبنانية الأخرى التي مثّلها الدستوريون. بعد غياب «الرئيس»، ورث «العميد» الكتلة. لم يبلور الكثير من فكرها، اكتفى بشخصيته المميزة. قبل الحرب، كان المعارض الأول. بعد الحرب، اختار أهدافه بتركيز: بيار الجميل والكتائب، وكميل شمعون بنسبة أقل، ولم يكن ينقصه غير محاولة الاغتيال، ليمضي ريمون إده ربع قرن في عاصمة الأضواء. ورغم غياب البلورة الفكرية لدى أهل «الكتلة» طيلة تلك الفترة، كان أخصامها يتكفّلون بالمهمة. ففي «ورقة» قدمها بعض مسيحيي الموالاة الحالية إلى السوريين منتصف التسعينيات، حاول «حراس النهج» قراءة الأزمة على أنها نتيجة الصراع داخل المسيحيين، بين «تيار الشرعية التاريخية»، الموحِّد في الداخل الإسلامي، والمنفتح على الخارج العربي، والتيار المناقض، المنعزل عن المسلمين في لبنان، والمعادي لجواره العربي. وفصّل «البحث» أن التيار الأول يبدأ ببشارة الخوري، وينتهي بمقدّمي الورقة، مروراً بحميد فرنجية وفؤاد شهاب. فيما التيار الآخر، يبدأ بإميل إده، وينتهي بورثة الجميل وشمعون».
بعد أعوام قليلة على ذلك، توفي ريمون إده في 10 أيار سنة 2000. جاء كارلوس من البرازيل، وقف في مار جرجس نفسها، حيث رافق المسيحيون جدّه قبل نصف قرن وعام. كان دروز وليد جنبلاط أكثرية، وكلام البطريرك أقل حرارة من عظة المطران مبارك، وكانت كلمة العميد الوريث أقل بلاغة.
وجد كارلوس نفسه فجأة في دوامة من التناقضات، والأهم أنه وجد نفسه إلى جانب أخصام «الكتلة» التاريخيين. ابتعدت «الكتلة» عن «روحها»: لا «لبنانية» متصلبة حيال الخارج، ولا جدلية خصومية حيال «الدستوريين». فخفتت الروح.
ومع ذلك، ظل كارلوس على يقظات كتلوية، بين الفينة والأخرى. فحين أعلنت دمشق تنفيذ إعادة انتشار لجيشها في لبنان سنة 2003، أكد العميد أن الخطوة هي نتيجة لموقف «الكتلة» منذ عقدين، مع أن البعض لم ينسَ خروج «العميد» وحيداً من «قرنة شهوان»، فيما صمد ممثّلو الكتلة الثلاثة في اللقاء السيادي. قيل يومها إن وليد جنبلاط «أقنع» العميد بالخروج، في ذروة الهجوم السوري على القرنة. وقيل إن كارلوس نام على وعود المختارة الوزارية.
ضاع العميد؟ طبعاً لا. لكنه عرف كيف يتكيّف مع مقتضيات المرحلة. وبلغ ذروة التكيّف حين صار في لائحة نيابية واحدة مع كل الذين عاش عمه على انتقادهم بأقذع الأوصاف السياسية.
بعدها انتهى العميد؟ طبعاً لا. لكن التطورات كثيرة. حلفاؤه صاروا أقل اقتناعاً بطروحاته، ثم هناك رئيس للجمهورية من جبيل. وبالتالي فخارطة 2009 أكثر تعقيداً. بعدها جاء قانون القضاء، فلا حاجة إلى تبادل أصوات على مستوى الوطن، وليقلّع كلّ شوكه بيديه، ولو كانتا ناعمتين جداً، كالأطفال.
ذات يوم من عام 2003، نقل عن كارلوس أنه أسرّ إلى أحد أصدقائه متبرّماً: «إنما جئت إلى لبنان لأدفن عمي لا غير...». قد تكون المسألة كلها رحلة دفن تأخر، أو... طال أعواماً.


عدد الثلاثاء ١٥ تموز ٢٠٠٨