صفقات التبادل وتبدّل الاستراتيجيّات
يعلّق ملصقاً للشهيدة دلال المغربي في الناقورة (رمزي حيدر ــ أ ف ب)
أغلق حزب الله ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. لم يبق أسير أو جسد شهيد، لم يعد إلى وطنه أو كُشف عن مصيره. مسار إغلاق الملف بدأه حزب الله منذ منتصف الثمانينيات، نُفِّذَت خلاله عمليات أسر وتبادل عدّة، في وقت لا يزال فيه عدد من الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، رغم اتفاقيات السلام التي تربط دولهم بالدولة العبرية
علي حيدر
تتسم عملية التبادل الحالية بين حزب الله وإسرائيل، بأنها تحصل من دون دفع أي أثمان سياسية أو أمنية من جانب الحزب، وفي ذلك محاكاة لشروط وظروف تحرير الأرض اللبنانية عام 2000 (خلا مزارع شبعا وتلال كفرشوبا). كما تتسم، بتجاوزها لبعدها المادي المباشر (تحرير أسرى)، واعتبارها تظهيراً وتوكيداً جديداً لانتصار المقاومة في الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، ولا سيما أن أسر الجنديين الإسرائيليين كان الشرارة الأولى للحرب، فضلاً عن أن إطلاق سراحهما من دون قيد أو شرط، كان عنواناً وشعاراً إسرائيلياً، وهو ما رفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت من اليوم الأول للحرب.
وينطوي الرضوخ الإسرائيلي لشروط حزب الله في عملية التبادل على إقرار بمعادلة استراتيجية أفرزتها هذه الحرب، أكد فيها الطرف اللبناني على ردعه ومنعته وعدم قدرة إسرائيل على إرضاخه عسكرياً.
ويُشهد لصفقة التبادل أنها استطاعت إسقاط محرمات إسرائيلية كانت عصية على الانكسار منذ أكثر من عقدين، وتحديداً في ما يصطلح عليه تحرير أسرى «ملطخة أيديهم بالدماء»، ما أدى إلى استثناء عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار من صفقة تبادل عام 2004. ويُشهد للمفاوض اللبناني، الممثل بحزب الله، الحاج وفيق صفا، إفشاله المحاولات الإسرائيلية في خفض الثمن وعدم إطلاق أسرى فلسطينيين «منعاً لتتويج الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، ملكاً على العالم العربي».
رغم إنجازات صفقة التبادل وفق هذه المعاني، نتيجة سياقاتها وظروفها الخاصة بها، إلا أن من غير الممكن فصلها عن صفقات سبقتها، لكونها تمثّل تثميراً منطقياً لسوابق فرضها حزب الله، إضافة إلى أنها في التداعيات الموازية، أسست سوابق يمكن الاستفادة منها في الساحة الفلسطينية نفسها، رغم خصوصيتها وانعكاساتها المباشرة على الدولة العبرية.
■ صفقة تبادل 1986
أسّس مفاوض حزب الله في صفقة الأسيرين، التي نُفِّذَت ابتداءً من عام 1991 وانتهت مرحلتها الأخيرة عام 1996، ما بات يعرف بتقديم «أثمان إنسانية» ـــــ تحرير أسرى ومعتقلين ـــــ مقابل حصول إسرائيل على معلومات تكشف مصير أسراها (صفقة المرحلتين)، أو اللجوء إلى سلة تشمل أثمان المرحلتين في آن واحد.
ورضخ المفاوض الإسرائيلي في حينه لمنطق حزب الله وشروطه، واضطر بعد ممانعة إلى القبول بها، من دون أن يقدر على الدفع باتجاه الاستحصال عن معلومات مجانية للكشف عن مصير جندييه الأسيرين اللذين أسرهما حزب الله في شباط 1986. وأدّت الصفقة في عام 1991، إلى إطلاق سراح 91 أسيراً من معتقل الخيام وجثامين تسعة شهداء، تجسيداً لمعادلة المعلومات مقابل أثمان إنسانية.
وبعد مضي خمس سنوات على هذه العملية، أرسى حزب الله معادلة إضافية، وهي مبادلة أسرى ومعتقلين أحياء وجثامين شهداء، في مقابل جثث لجنود العدو. ولم تجد الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، عام 1996، مفراً من القبول بتحرير 45 أسيراً من معتقل الخيام، واسترجاع أجساد 123 شهيداً مقاوماً، مقابل جثتي الجنديين الإسرائيليين.
وأدرك المفاوض الإسرائيلي، في نتيجة غير مباشرة لعملية التبادل بمرحلتيها، أنه لا يمكنه أن يراهن على عامل الوقت كي يثني مفاوض حزب الله عن شروطه، وكانت السنوات العشر التي فصلت بين أسر الجنديين وإتمام عملية التبادل، (1986ـــــ1996) كفيلة بأن يدرك ذلك.
وكصفقة تأسيسية، أصبح غموض مصير الأسرى، سلاحاً تكتيكياً مفيداً لحزب الله، يجد الإسرائيلي معه وجوب أن يتكيف مع نتائجه والتعامل معه واقعاً لا مفر منه، وعليه أن يدفع أثماناً إنسانية مقابل المعلومات التي يريدها، من دون أن يكون للاستنتاج والتقدير الاستخباري منفعة عملية قبالة حزب الله.
■ أنصارية
لم يمض وقت طويل على عملية تبادل جثتي الأسيرين الإسرائيليين عام 1996، حتى وقع الجنود الإسرائيليون مرة أخرى في قبضة المقاومة، إثر كمين نفذته في بلدة أنصارية عام 1997، لمواجهة تسلل مجموعة كوماندوس خاصة تعود لسلاح البحرية الإسرائيلية، «الشييطت»، كانت تهدف إلى تنفيذ عملية أمنية ضد المقاومة.
وقتل في الكمين آنذاك 12 جندياً إسرائيليّاً وبقيت في أرض المعركة أشلاء أحد الجنود، التي كانت مدار مفاوضات مع الدولة العبرية أنتجت عملية تبادل أخرى عام 1998، أطلق بموجبها سراح 60 معتقلاً لبنانياً، بينهم عشرة كانوا داخل السجون الإسرائيلية، إلى جانب جثامين 40 شهيداً مقاوماً.
وتميزت هذه العملية بتسجيلها سابقة، إذ كانت المرة الأولى التي تطلق فيها إسرائيل، ضمن إطار عملية تبادل مع حزب الله، سراح هذا العدد من المعتقلين من داخل السجون الإسرائيلية، في حين أن المحررين اللبنانيين الذين أُطلقوا في المرات السابقة كانوا من داخل معتقل الخيام، وهو ما يُعَدُّ بدوره ايضاً تأسيساً لاستفادات مستقبلية في أحداث وعمليات مشابهة.
بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية في أيار 2000، واحتفاظها بعشرات المعتقلين اللبنانيين في سجونها، رفعت المقاومة شعار «تحرير الأسرى والمعتقلين بأي ثمن». وفي سياق ذلك، أسرت المقاومة ثلاثة جنود من منطقة مزارع شبعا في شهر تشرين الأول من العام نفسه، أي بعد خمسة أشهر على الانسحاب، وأتبعت المقاومة عمليتها بعملية أمنية معقدة نجم عنها أسر عقيد احتياط في الجيش الإسرائيلي، الحنان تننباوم.
مرت أربع سنوات حتى وافقت الحكومة الإسرائيلية برئاسة أرييل شارون على صفقة تبادل أسرى مع حزب الله، شملت 23 معتقلاً لبنانياً، و15 معتقلاً عربياً وألمانياً وأحداً، في وقت حافظ فيه حزب الله على صمته ولم يعلن مصير الجنود الإسرائيليين الثلاثة إلى لحظة تنفيذ عملية التبادل.
لكن محاولة «تشاطر» إسرائيلية أدت إلى استثناء الأسير سمير القنطار من الصفقة، بهدف ترسيخ مبدأ «الدم على اليدين»، بعدما طرحت الصفقة على التصويت في الحكومة الإسرائيلية ونالت أغلبية طفيفة مررت من خلالها صفقة التبادل (12 وزيراً مقابل 11).
الموقف «التشاطري» الإسرائيلي كلف الدولة العبرية عملية أسر اخرى في الثاني عشر من تموز 2006، التي وجدت إسرائيل فيها مناسبة لشن أعنف حرب تدميرية شهدها لبنان، لتدمير البنية التحتية العسكرية والمدنية لحزب الله، تمهيداً لإنهائه. لكن النتائج كانت مغايرة تماماً لما أملته إسرائيل وباركته وحثت عليه الولايات المتحدة من أجل «ولادة الشرق الأوسط الجديد».
فرضت نتائج حرب تموز وفشل الإسرائيلي في تحقيقه أهدافه، واقعاً استراتيجياً مختلفاً كلياً عما كان يخطط له، ونتيجة لتفاعلات الحرب والتداعيات التي أعقبتها في الساحة الداخلية الإسرائيلية، وجدت حكومة إيهود أولمرت نفسها أمام خيارات محدودة وضيقة لإطلاق أسراها بعد فشل العمل العسكري المباشر في الحرب، وصولاً إلى الإقرار بالمصادقة على صفقة تبادل، كسرت بموجبها المقاومة مبدأ «الدم على اليدين»، وفرضت على العدو الموافقة على إطلاق سراح الأسير سمير القنطار، إضافة إلى تحرير الأسرى اللبنانيين الآخرين ونقل أجساد كل الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب وإقفال مقبرة «الأرقام»، في شمال إسرائيل التي تحوي شهداء وقعوا في أسر الجيش الإسرائيلي منذ السبعينيات من القرن الماضي.







