غيرهارد كونراد... «مستر حزب الله»
برلين ــ غسان أبو حمد
والد غولدفاسر في نهاريا (ج. غويز ــ أ ف ب)اختيار جهاز الاستخبارات الألماني «الموظّف»، غيرهارد كونراد، وسيطاً مفاوضاً لتبادل الأسرى، ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مواصفات شخصية يتمتّع بها الرجل، أهمّها إتقانه التامّ للغّة العربية ولخفايا معانيها، وخصوصاً كلماتها البسيطة في مضامينها المعقّدة والمتشابهة إلى حدود التناقض.
وتعيد وسائل الإعلام الألمانية أسباب نجاح غيرهارد كونراد في مهمته، إلى استفادته من أخطاء أسلافه المفاوضين الذين لا يتقنون اللغة العربية وقواعد التفاوض وصيغ «العرض والطلب» في صفقات التبادل «البشري».
منحته «الخدمة» الاستخبارية الطويلة في عواصم الشرق الأوسط، من دمشق إلى بيروت وطهران والقاهرة، وصولاً إلى تل أبيب، قدرة الغوص في خفايا «البازار الشرقي» ومقدرة فائقة على المجادلة والصبر الطويل. والأهم اكتسابه لثقة من يفاوضهم، وتحديداً لثقة «الحاج وفيق (صفا)» (حزب الله) فحمل في أوساطه الأمنية الألمانية، وبامتياز، لقب «مستر حزب الله».
إنه الوسيط الألماني الوحيد الذي يتقيّد بتعاليم الأمثلة العربية وقواعد التفاوض الشرقية. يبتعد عن عدسات التصوير وآلات التسجيل، دافعاً حشرية الصحافيين وشغفهم لالتقاط الأخبار بترداده المثل العربي: «لسانك حصانك إن صنته صانك». لكنه، مع ذلك، لا يتورّع عن إحراج مفاوضيه، وخصوصاً أولئك الذين تساورهم الشكوك بعدم التزامهم، عبر «تسريب وعودهم والتزاماتهم» باكراً إلى وسائل الإعلام.
بدأ «مستر حزب الله» نشاطه وراء الكواليس. وفي مطلع عام 2004 قام بدور مميز وحاسم في أول وأكبر صفقة تبادل للأسرى والمفقودين بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية. هذا النجاح وضعه في خانة الوسطاء الذين يتمتعون بقدرة الفصل بين الشؤون الإنسانية وموقع المفقودين والمعتقلين لدى أهلهم ومعارفهم، وبين الشؤون السياسية وأهداف ومعاني النصر والهزيمة. هذا الأسلوب المميّز في التوسّط وترجيح الكفة الإنسانية على الكفة السياسية، وضعه في خانة المعبِّدين لطريق السلام بين أطراف النزاع والقتال. ودفع بالتالي الأمين العام للأمم المتحدة إلى تكليفه في أيلول عام 2006 بمهمة الوساطة. وباشر كونراد، بالتالي رحلاته المكوكية بين تل أبيب وبيروت ودمشق، وبالتالي تدعيم ثقة أطراف النزاع بشخصه ووعوده.
درس غيرهارد كونراد اللغة العربية في برلين، وسكن لاحقاً في بيروت بصفة «فرع المعلومات في السفارة الألمانية» وجرى تصنيفه في موقع الخبراء في «دهاليز» السياسة السورية وطبيعة وقواعد عمل مدرستها الأمنية، وراح بالتالي يعزّز تدريجاً ثقة أطراف النزاع بنهجه التفاوضي، محاولاً التأكيد للجميع بأن ألمانيا لا مصالح لها ولا مكاسب باستثناء تأمين الراحة لمن فقدوا أبناءهم، وبالتالي التأكيد على أن مفتاح المستقبل السلمي يبدأ في الشرق الأوسط من هذه الزاوية الإنسانية. الزاوية الإنسانية ذاتها التي أسّسها أول مدير للاستخبارات الألمانية القاضي أرنست أورلاو، وعلى خطى سلفه، النائب في البرلمان الألماني القاضي برند شميدباور، اللذين تمكّنا معاً من دخول الشرق الأوسط «إنسانياً» في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
هكذا كانت معالم الوساطة الألمانية تتجلى في كانون الأول 2004، يحركها ويحيك قطبها من وراء الكواليس، «مستر حزب الله». التوازن في حينه كان إفراج المقاومة اللبنانية عن جثث ثلاثة قتلى من الجنود الإسرائيليين ورجل الأعمال الحنان تاننباوم.
الإفراج عن ثلاثة في مقابل 29 أسيراً لبنانياً و400 أسير من الرعايا العرب. والمؤسف في حينه تجلّى بعدم إفراج إسرائيل عن عميد الأسرى سمير القنطار بحجة «تلويث يديه بالدماء» في عملية فدائية قام بها في عام 1979 وجرى الحكم عليه بالسجن مدة 542 عاماً، أمضى منها حتى اليوم ما يقارب 28 عاماً.







