ليلة طويلة لعائلتي زيدان وسليمان
راجانا حمية
قد لا يكون والد الأسير خضر، في السجون الإسرائيليّة، أحمد زيدان قد تناولها، لكن الأيّام القليلة الماضية قادته إلى التفكير بشراء «حبّة منوّم» كما يعترف. هذه الحبّة يُفترض أن تنوّمه حتى صباح اليوم لكي تريحه من انتظارات «ليل طويل»، يسبق وصول ابنه عند التاسعة صباحاً. الوالد، الذي انتظر سنتين لقاء خضر، يجد نفسه اليوم عاجزاً أمام هذه العودة، وخائفاً من قلب «قد لا يحتمل كلّ هذا الفرح في يوم واحد». فقبل هذا اليوم، حين كنّا هناك في منزله في منطقة البسطة، كان يبدو على الرجل أنّه فعلاً لن يقوى على المواجهة. ترديد اسم خضر وحده واسترجاع بعض لحظات حياته كانا كافيين لتغرورق عيناه بالدموع. دموع لا تربك الرجل، الذي اعتاد شعوره، بالقوّة نفسها التي اعتاد فيها سرد قصّة أسر خضر في الرابع من آب عند موقع الغندوريّة، ومعاناة العائلة التي عاشت رعب الخبر، بعدما نفت إسرائيل وجوده في سجونها 50 يوماً. خلال هذه الفترة، لم تكن العائلة لتعرف مصير ابنها، لو أنّها لم تكن على اطّلاع مسبق على اسمه الحركي «عماد»، فخضر أصرّ أثناء التحقيق معه على «عماد»، خوفاً على أشقائه من ردّة الفعل الإسرائيليّة. وبعد الخمسين يوماً، بقيت العائلة على توتّرها، ذلك أنّ خضر أو عماد كان الشاب الوحيد من بين المعتقلين الذي استمرّ التحقيق معه سنة ونصف سنة، لأنّه أبى الاعتراف بانتسابه إلى المقاومة حفاظاً على سرّية عمله الأمني.
هذا ما يعرفه الوالد عن «عماد» في سجون العدو، وهي شبيهة بضآلتها بالمعلومات التي يحفظها عن «خضر» في عمله المقاوم، وجلّ ما قد يكون صحيحاً «6 أعوام في أمن المقاومة على ما أظن، ولم نكن نعرف أين كان خلال الحرب، وكلّ من نعرفه أنّه كان يساعد النازحين في المدارس». أمّا خضر، الشاب العادي، فيحفظ الوالد الكثير عنه، وخصوصاً «مرحه»، إلى الدرجة التي كانوا يطلقون عليه «الشقي».
«الشقي» الذي يخرج اليوم، لا يشبه زميله في المقاومة والأسر حسين سليمان، فهذا الشاب كان هادئاً وكتوماً إلى أبعد الحدود. لم تعرف عائلته بعمله المقاوم إلّا عقب أسره بعشرين يوماً، حيث كان يوهم والدته دائماً بأنّه كان يعمل ليلاً في أحد مراكز التسوّق، كي يستطيع المشاركة في المصروف اليومي وإكمال دراسته. وفي كلّ مرّة كانت تسأله والدته عن حزب الله، كان يجيب «ماما أنا مؤمن وبصلّي لله وبس»، ولم يعترف بانتمائه هذا، إلّا في الرسالة الأولى التي تلقّتها العائلة بعد ثمانية أشهر من أسره، وفي وقت لاحق خلال إحدى المحاكمات عندما واجه القاضي بقوله «من السخرية محاكمتنا لأنّنا مقاتلون في حزب الله، ونحن لا ننكر التهمة الموجّهة إلينا». يومها «اعتزل» حسين المحكمة ستّة أشهر كاملة، بقناعة راسخة «بأنّ مصيرنا سيكون مرتبطاً بصفقة الأسرى، وأي قرار سيصدر عن هذه المحكمة سيكون مجرد حبر على ورق»، ولم يعد إليها، إلّا «لتعزية السيّد حسن نصر الله باستشهاد عماد مغنيّة». في ذلك اليوم، اكتشفت الوالدة أسامة شوقها لـ«الرجل» الذي كبر عامين بعيداً، فيما الوالد لا يزال على قراره بالاحتفاظ بحسين «الخاص بي».







