أصدقاء الطفولة يتذكرونه ناقماً على «الثوار الكتبة»
رنا حايك
من التحضيرات لاستقبال الأسرى أمس (رويترز ــ علي حشيشو)يتذكر أهالي قرية عبيه ذلك الفتى الذي لم يراهق كغيره من أبناء جيله. يسترجعون بصعوبة صورته من السنوات الخاطفة التي عرفوه فيها قبل التحاقه بجبهات النضال الوطني ثم أسره. سمير القنطار كان طفلاً هادئاً، ثم مراهقاً لافتاً ومميّزاً بوعيه السياسي.
ثلاثون عاماً مرّت على غيابه، في مقابل 16 عاماً فقط قضاها في قرية اتخذت منه أسطورتها. يعود سمير من ماض بعيد، وفي قاموسه مفردات تغيّرت شحناتها الدلالية خلال سنوات غيابه. هل أحبطته سنوات السجن وأشعرته بعبثية خياره النضالي، كما أحبط الكثيرون من رفقائه الذين شهدوا، وهم أحرار، سقوط الكثير من القضايا التي آمنوا بها؟ رفقاء سمير في عبيه يستبعدون ذلك. رفيقه خالد خداج، الذي أصبح أمين سر المجلس الوطني في الحزب الشيوعي اليوم، يؤكد أن المقاومة أسهمت في احتواء ذلك الإحباط لدى جميع ممثلي هذا الجيل، فهي «أعادت الاعتبار للشعارات التي أطلقناها وتعثّرت على أيدينا، فمثّلت بذلك ترضية لتاريخنا».
خداج كان صديقاً مقرباً لسمير، يشبّهه بـ«الحصان البري الجامح». يلوم نفسه لأنه لم يصدقه حين جاء يودعه ذات يوم من عام 1979، وأخبره يومها أنه «أنهى تدريباته العسكرية وأصبح ملازماً أولَ بقوات الداخل في جبهة التحرير الفلسطينية». ودّعه بحرارة وغادر، ثم سمع بعد ذلك بعملية القائد جمال عبد الناصر التي أسر خلالها سمير، فانزعج من نفسه لأنه عدّ كلامه «تفشيخ شباب». الآن، هو ينتظر عودته بفارغ الصبر ليعتذر منه. يتحدّث خداج أيضاً عن الجو اليساري والقومي العربي الذي نشأ فيه سمير في عبيه وتأثر به واعتنق توجهاته. من الحزب الشيوعي إلى رابطة الشغيلة، حرب الجبل ومحور القماطية ـــ بسوس، كان سمير محترفاً في القتال، يرفض التراجع عن مواقع المواجهة رغم اتصالات ذويه المتكررة بالقيّمين على جبهات القتال التي كانوا يطلبون منهم خلالها مراعاة صغر سنه وتحييده عن المواقع المتقدمة، لكنه لم يكن يرضى.
يؤكد كمال ديب، رفيق سمير في معارك الجبل ذلك: «كان عنده ربو، ويسعل طوال الليل. وحين طلبت منه العودة إلى المنزل أجابني: غيفارا أيضاً كان يشكو من الربو». كان كمال، كغيره من المقاتلين رفقاء سمير، يشعرون بمسؤولية حماية ذلك المراهق: «كنا نحاول أن نجنبه القتال لشعورنا بمسؤولية حمايته ورعايته، فقد كان أصغر المقاتلين سناً على الجبهة. نحاول أن يقتصر نشاطه على إعداد الطعام للمقاتلين في الجبهة، لكن ذلك كان يستفزه ولم ينصع لطلباتنا ولا مرة. حتى إنه أصيب مرة خلال القتال في عاليه، فتعالج وعاد إلى الجبهة فور تحسّن صحته».
تضيع التفاصيل الصغيرة فتاتي نتفاً من ذكريات. يتذكر أحدهم أن شعره كان طويلاً جداً ولم يكن يرضى بقصّه. يتذكر آخر أنه لم يكن يشاركهم لعبة كرة القدم. إخوته الأصغر سناً يتذكرونه محباً وعطوفاً، يصطحبهم إلى الدكان لشراء السكاكر. الأم تذكر المرات التي كان يغيب فيها عن المدرسة متذرّعاً بأنه يوم عطلة ويذهب للتدريب، كانت دائماً تكتشف الكذبة، لكنه كان كتوماً جداً، وكانوا في المنزل يحترمون حياته السرية رغم صغر سنه، إلى أن عاد إلى المنزل ذات يوم حاملاً بارودة «كليشن». فتندّرت الوالدة قائلة: «هالبارودة أطول منك يا حبيبي». هز رأسه وضحك دون تعليق.
تتسم نبرة الأستاذ وديع حمزة، مدير المدرسة الرسمية في عبيه التي ارتادها سمير،. بالفخر والزهو وهو يتحدث عن ذلك الطالب الذي لم يترك فرصة للدفاع عن أي ظلم يلحق بأحد أترابه في المدرسة، والذي كان أول من يجوب بيوت أهالي القرية مع المجموعات المسؤولة عن جمع التبرعات لمساعدة الفلسطينيين في المخيمات. «كان تلميذاً ذكياً، شعلة من الجرأة والحماسة والنباهة. يشفع له وعيه السياسي والطبقي الذي يتجاوز صغر سنه تغيبه الدائم عن المدرسة. كنت أشعر بواجب احتضانه وتنمية حسه النضالي المسؤول بدل معاقبته عليه».
لكلٍّ قصته مع سمير. فهيم حمزة صديق طفولته ورفيق السلاح لاحقاً، لن ينسى أبداً كيف أنقذ سمير ابنه المريض خلال غيابه على إحدى الجبهات. يومها زار سمير زوجة فهيم للاطمئنان إليها فوجدها مهمومة والطفل المحموم بين يديها، فما كان منه إلا أن قام بالواجب واصطحب الطفل إلى المستشفى وعالجه. في المواقع، يقول فهيم، كان سمير «آخر من يأكل وآخر من يشرب وآخر من ينام». وكلّما صعد معه في سيارته، كان يطلب منه تشغيل الشريط الذي يتلو فيه مظفر النواب أبياته الشهيرة عن «الكؤوس التي تطرق ليلاً نخب القدس عروس عروبتنا»، ليتساءل بعدها «من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟».
يعود سمير القنطار من ماض بعيد، يحمل معه عبقاً من الحماسة والإيمان المطلق بقضايا التحرّر الوطني، وتبرق عيناه برومانسية ثوري مراهق قضى شبابه في زنزانة دفاعاً عما يتاجر به اليوم «الثوار الكتبة». فكيف سيلقاهم، وهل سيكتشف كم حافظت زنزانته على حرية نفس باعها الكثيرون وهم أحرار الجسد؟







