الوعد الذي صدق ألهب الحناجر في ملعب الراية
رنا حايك
في المكان ذاته حيث احتفل اللبنانيون بانتصار تموز 2006، وبذكراه في تموز 2007، في المكان الذي أطلقت من على منبره الوعود، احتشد الآلاف مساء أمس للاحتفاء بالتكريس العملاني للوعد والانتصار.
أعلام حزب الله وفلسطين والملصقات التي تحمل صور الأسرى كانت توزّع بكثافة على مدخل ملعب الراية. صورة الشهيد عماد مغنية تتصدر المنصة، ولافتة كتبت بالخط العريض تؤكد «أننا قوم لا نترك أسرانا». الشرفات المحيطة بالملعب تعلوها أعلام الحزب والعلم اللبناني، وتنوء تحت ثقل الأهالي المتكدّسين عليها، حتى قبل أن يعلموا بالمفاجأة التي ستلهبهم بعد قليل حين سيطل السيد حسن نصر الله بشخصه على المنصة لاستقبال الأسرى.
أعلام حزب الله وحركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي ترفرف في الباحة، بينما يظهر، بخفر، علمان للتيار الوطني الحرّ، من الحجم المتوسّط.
يختلط صوت الأذان المتصاعد من مسجد القائم بصوت زمرة من المراهقين المحازبين لأمل يدقون على الطبلة ويغنون: «على عين التينة، دخلك وديني، هونيكي ديني. خدني عالحارة، شوف الحضارة، شوف أبو هادي، حرر بلادي. وخدني عزغرتا، شوف فرنجية، خي الشيعية».
رابطة الشغيلة كانت حاضرة أيضاً في ملعب الراية، شبابها يحملون لافتات تطالب بـ«الكشف عن بقية الأسرى في سجون العدو»، بينما تهتف فتاة من الحزب الديموقراطي الشعبي: «عقبال الأسرى الفلسطينيين»، وتردف كم أن فرحتها عارمة، فـ«كرامتنا رجعتلنا».
الحاجة مريم من النبطية نسيت حزنها على بيتها الذي تهدّم في تموز 2006 وهي تشارك في هذا الاحتفال الصاخب، وأثلجت قلبها فرحة «لا توصف». إلى جانبها، فرشت فتاة محجبة علم لبنان على الأرض، وضعت الحجر الترابي عليه وأدّت فريضة الصلاة.
نساء الانضباط يتحركن بفاعلية بين الجموع في القسم المخصص للسيدات، يحاولن التخفيف من اندفاع المراهقات المحجبات، بينما يتدافعن لـ«إجراء مقابلة»: ريما، ابنة الـ17 عاماً فرحة لإحساسها بـ«أننا مش متروكين، وفيه ورانا ناس مهتمين فينا، وإذا وعدونا بيوفوا». صديقتها تفتخر بأننا «الشعب الوحيد الذي هزم إسرائيل». رباب، التي قضت 15 يوماً من العدوان في المريجة تشعر اليوم بنشوة انتصار جديد.
سمر أخبرت طفليها (سبع سنوات وعشر سنوات) القصة. قصة سمير كفصل من قصة الانتصار الذي دفعت وتدفع ثمنه غالياً على هيئة بيت يتهدّم أو زوج يستشهد أو تهجير مستمر. أهمية هذا اليوم «العرس» كما تسميه هي «في تحريره لآخر أسرانا في سجون العدو».
تتردد الهتافات المعتادة عن «الله، نصر الله والضاحية كلها»، وترتفع الزغاريد فتزهو الفتاة ذات السنوات الخمس بفستان العرس الذي ألبستها أمها إياه في هذه المناسبة، وتختال به على أرض الملعب بين قريناتها دون أن تبدو عليها ملامح التعب.
أغمز لبسمة، التي تحمل علم الحزب القومي: «هل كنتم ستشاركون بهذه الكثافة لو لم تكن اللحمة قد توطّدت بينكم وبين حزب الله بعد الأحداث الأخيرة؟»، فتؤكّد أنه «لا تأثير لذلك، فنحن دائماً حاضرون في مناسبات وطنية كهذه، فلا احتكار في المقاومة، ونحن مع حزب الله تحت راية التحرير. وما يحدث اليوم يبرهن كم أن القضايا جميعها مترابطة، وأن منطق القوة هو الدرب الوحيد الذي يجب سلوكه للتحرر ولاستعادة الأرض والكرامة. المقاومة أثبتت اليوم ذلك».
في المقابل، يبلع محمود، العضو في الحزب الشيوعي غصة وهو يقول: «نحن حاضرون كرامة لسمير. نتجاوز، أفراداً، الاستبعاد الرسمي الذي جوبه به الحزب، فنحن ندرك ما يمثله سمير. هو يمثل كل شيء. نحن أسّسنا المقاومة، وناضلنا».
يخفت صوت محمود وسط ضجيج النشوة العارمة التي تلهب حناجر الحشود التي تطلق الصيحات كلما ذكر عرّيف الحفل اسم سمير القنطار أو السيد حسن نصر الله.
فاطمة وغدير تؤكدان أن السيد وعد ووفى: «ما في سيّد بيصدق متله». جاءتا منذ الساعة الثانية ظهراً تنتظران سمير ورفاقه، وتنتظران أكثر ما تمثّله عودتهم من انتصار للمقاومة ولحزب الله.
معظمهن لم يسمعن بسمير قبل عام 2004. اليوم هن يعرفنه ولا يعرفنه. ما يهمّهن هو الوعد الذي صدق وتحقق بعودته اليوم حراً إلى الوطن.
تتداخل التفاصيل في ذهنَيْ آية وابنة خالتها نور. طفلتان تعتليان كرسيين وتلوّحان بالأعلام الصفراء، جذلتان كأنهما في الملاهي. تشدني نشوتهما لأسأل آية: «شو في اليوم؟». تنظر إليّ بعتب: «بدّن يتبادلو الأسرى». ومن هم الأسرى؟ «سمير ورفاقه»، تجيب. ومن هو سمير؟ هو «اللي طوّل كتير هونيك».







