واشنطن: تعاون حلفاء سوريا أظهر رغبتها في تبديل سلوكها في لبنان
نقولا ناصيف
لم يصدر عن واشنطن موقف رسمي من الاجتماعات المهمة التي دارت في باريس، على هامش قمة الاتحاد من أجل المتوسط، وأخصها اجتماع الرئيسين الفرنسي نيكولا ساركوزي والسوري بشار الأسد، ولا عن المسار الجديد للعلاقات الفرنسية ـــــ السورية، ولا كذلك عن التطور اللافت في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية إثر لقاء الرئيس ميشال سليمان الأسد ثلاث مرات إحداها قمة الأربعة. إلا أن الدبلوماسية الفرنسية أخذت على عاتقها تبرير الصمت الأميركي حيال الاجتماعات تلك كي تنفي صفة الاعتراض عليها، وتقول إن الأميركيين، كما درجوا دائماً عند مقاربة مبادرات صادرة عن سواهم، يفضلون انتظار النتائج قبل تحديد موقفهم.
ذاك ما سمعه أيضاً زوار دبلوماسيون أميركيون استفسروا منهم عن دوافع صمت واشنطن ورأيها في الوتيرة المتصاعدة للانفتاح الفرنسي على دمشق، والودّ غير المسبوق الذي عبّر عنه ساركوزي لدى استقباله نظيره السوري، ومخاطبته إياه بما يلامس الموقف الحميم. جواب الدبلوماسيين الأميركيين أنهم ينظرون إلى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية من خلال تنفيذ الأسد التعهّد الذي قطعه بإجراء تبادل دبلوماسي بين بلاده ولبنان على مستوى السفارتين. ويدرجون وجهة نظرهم في المعطيات الآتية:
1 ـــــ تدعم واشنطن علاقات جيدة بين لبنان وسوريا مبنية على الاحترام والمساواة المتبادلين، وترى أن من الجيّد ـــــ بل من المنطقي ـــــ أن يصار إلى تبادل البلدين التمثيل الدبلوماسي. بيد أنه لا جدوى من إقامة كل من البلدين سفارة في البلد الآخر في مناخ يفتقر إلى الاحترام السياسي للسيادة والاستقلال والسلطات الشرعية. وفي تقدير واشنطن، لا ينفصل قيام تمثيل دبلوماسي عن جوانب أخرى معبّرة بدورها عن الاحترام والمساواة في تعامل بلدين، كترسيم الحدود وحظر تهريب الأسلحة إلى لبنان والتدخّل في شؤونه الداخلية.
2 ـــــ يتفادى الدبلوماسيون الأميركيون تقويم مواقف الرئيس اللبناني من انفتاحه على سوريا وإشادته بعلاقات لبنان بها وتأكيد زيارته الوشيكة لها، ويلاحظون من غير توجيه انتقاد إليها أنها تدخل في تفاصيل علاقات البلدين التي تبتعد عن النظرة الأشمل التي تقارب بها واشنطن موقع دمشق في المنطقة، ومسؤوليتها عن استقرار جيرانها وعدم التدخّل في شؤونهم. لكن ذلك لا يعني أن الأميركيين لا ينظرون باهتمام جدّي إلى تحسّن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. إذ تشير هذه، في أحسن الأحوال، إلى أن نظام الأسد قرّر أخيراً معاملة لبنان بشكل أفضل.
3 ـــــ لم ترَ واشنطن مبالغة في الترحيب الذي حظي به الرئيس السوري في باريس، ولا موقف لها منه، ولا كذلك حيال طريقة استقبال الرئيس الفرنسي سائر ضيوفه، لأن لديها هي الأخرى نظرة مختلفة إلى الأسد لا تشاطر الفرنسيين انفتاحهم وتفاؤلهم ومرونتهم، وتجعلها تتردّد في تعيين خلف للسفيرة الأميركية مرغريت سكوبي في دمشق، مكتفية بإبقاء صلة اتصال محدودة بين البلدين من خلال القائم بالأعمال مايكل كوربن، مذ سُحبت السفيرة في 15 شباط 2005. وخلافاً لباريس التي حصرت خلافها مع دمشق بالملف اللبناني، فإن ما بين واشنطن ونظام الأسد ما يتجاوز الخلاف على هذا الملف إلى ملفات إقليمية مماثلة بسخونتها.
وتعتقد واشنطن، بحسب الدبلوماسيين الأميركيين، أن دمشق تدرك ما ينبغي القيام به حيال لبنان والمجتمع الدولي. ولذا ستبقى أبواب الإدارة الأميركية موصدة في وجه الرئيس السوري إلى أن يتخذ خطوات ملموسة تضع حداً لبعض التكتيكات التي يستخدمها في التدخّل في النزاعات الإقليمية، وهي أربعة: نزع دمشق وصايتها عنى الإرهاب، وقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى العراق، وقف تدفق السلاح على لبنان، وضع حدّ لكل الممارسات المناوئة لحقوق الإنسان في سوريا وحمل النظام على وضع حدّ لانتهاكها.
4 ـــــ يُحمّل التنسيق الأميركي ـــــ الفرنسي أحياناً، وفي نظر اللبنانيين، أكثر مما ينبغي أن يحمل، وأكثر مما يعكسه هذا التنسيق. وبحسب الدبلوماسيين الأميركيين، فإن اللبنانيين كوّنوا فكرة مبالغاً بها عن حجم تنسيق الدولتين العظميين اللتين تتشاركان في واقع الأمر في نظرة واحدة إلى دعم لبنان، لكن من غير أن يشمل تنسيقهما تفاصيل الوضع اللبناني. وفي أحسن الأحوال، فإن ما حصل في باريس كان قراراً فرنسياً لا أميركياً.
5 ـــــ ترى واشنطن في الجهود التي بذلتها سوريا في لبنان خلال الشهرين المنصرمين لجهة انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة والتعهّد بإرساء علاقات دبلوماسية، إشارة إلى تبديل في السلوك السوري حيال هذا البلد غالباً ما حضّتها عليه هي والأمم المتحدة وفرنسا. ورغم أن الدبلوماسيين الأميركيين لا يستخلصون هذا التبديل من السوريين بالذات، ومباشرة، بسبب تحفظ هؤلاء وتردّدهم وبطء استدارتهم السياسية، إلا أنهم يلاحظون في التعاون الذي أبداه حلفاء سوريا اللبنانيون الأساسيون، كحزب الله، لإعادة إحياء المؤسسات الدستورية تعبيراً حقيقياً عن سعي دمشق إلى تغيير نظرتها إلى لبنان، وإن بدا أن ما فعله هؤلاء الحلفاء يأخذ في الاعتبار أساساً مصالحهم الخاصة، أو مصالح دمشق الخاصة.






