لماذا الصمت الأميركي حيال تحرير القنطار؟
جان عزيز
ثمّة أسئلة تبدو غريبة في بُعدها الأول وقراءتها الأكثر سطحية. مثلاً: هل سمع أحد ما، موقفاً أميركياً من عملية تبادل الأسرى؟ أو، هل هي مصادفة زمنية تلك المباحثات الإيرانية ـــــ الأميركية في سويسرا؟ وصولاً إلى أسئلة من نوع: ماذا ذهب يفعل سعد الدين الحريري في بغداد؟
المتابِع للدراسات المتوالدة في واشنطن، يتراءى له أن ثمّة جواباً عن تلك الأسئلة، يبدأ بالاعتقاد، بأن «شيئاً جديداً» يحدث في العراق. شيء قد يصعب تحديده، لكن عوارضه واضحة، فالمسوَّدة عن الاتفاق السياسي الأمني، بين واشنطن وبغداد باتت شبه منجزة. ومعبّرٌ جداً أن يتراجع باراك أوباما عن مطالبته بالانسحاب من العراق، فيما يقرر جورج بوش سحب 3 فرق من أصل 15 موجودة هناك. والمعبّر أكثر، أن يمرّ الموقفان مرور الكرام على مستوى الرأي العام الأميركي. فما الذي يفسر هذه التحوّلات؟
آخر القراءات الأميركية تحاول التفصيل، مقارنةً بالوضع قبل نحو عامين. في تشرين الثاني 2006، يوم استعاد الديموقراطيون أكثرية الكونغرس، ويوم كانت أميركا تترقّب صدور تقرير بايكر ـــــ هاميلتون، تكوّن انطباع عام بأن العدّ العكسي قد بدأ لجلاء آخر «جي آي» عن الأراضي العراقية. لكن القرار الأميركي جاء معاكساً: تعزيز القوى المقاتلة بنحو 30 ألف جندي. هذا القرار الذي اتخذه جورج بوش، ويعدّ الجنرال دايفيد بترايوس مهندسه، لم يلبث أن أدى إلى تغييرات في المشهد العراقي، إذ سرعان ما تبدّلت حسابات معظم اللاعبين، كالآتي:
أولاً، على صعيد السنّة العراقيين: فظهور الأميركيين بمظهر القوة الباقية، أفسح في المجال أمام القوى المعتدلة، للتموضع في خيار ثالث، بين التطرف الجهادي وبين خشية الهيمنة الشيعية. وتميل النظريات الأميركية إلى إعطاء السنّة العراقيين رصيداً إضافياً من حسن النيّة. فتفترض أن غالبية الجهاديين السنّة الذين يقاتلون الأميركيين هناك، هم من خارج العراق. وتستنتج أن التموضع السنّي العراقي الجديد، أفقد هؤلاء دعماً ملحوظاً، مما أسهم في تحسّن الوضع الأمني والعسكري.
ثانياً على صعيد الشيعة العراقيين؛ إذ يرى الأميركيون أن انحسار العنف السنّي نسبياً في بغداد، لم يلبث أن شجّع خيارات شيعية وسطية. والأهم أنه شجّع قوى شيعية عراقية، تسكنها الريبة حيال نيّات الهيمنة الإيرانية على بلادها. ولم يلبث لهذا التطور الشيعي أن انعكس بدوره أيضاً، تراجعاً في المواجهات المذهبية. ليبلغ في لحظة ما، درجة التقاتل الشيعي ـــــ الشيعي، بين المستفيدين من التطور الحاصل، وبين المتضررين منه. وذروة هذا التطور كانت في المواجهة بين حكومة المالكي وتيار مقتدى الصدر.
ثالثاً على صعيد الحسابات العراقية في الداخل الإيراني: تعتقد النظريات الأميركية أن طهران نفسها، لم تكن في منأى عن التحولات العراقية الداخلية. فتواضع الطموحات الأميركية حيال الوضع في بغداد، قابله تراجع إيراني مماثل. كما أن انكفاء واشنطن عن «شهية» الحرب شجّع طهران على التطلّع إلى بغداد بنيّات أقلّ توسعيّة.
لكن الأهم، أنه في الوقت نفسه، كانت ثمّة حرب قديمة، تعود إلى الاشتعال في كابول. فحركة طالبان التي كُسرت سنة 2002، عادت فاعلة، وعادت لتلقى دعماً باكستانياً، في ظل الفوضى النظامية في إسلام أباد. وحكام طهران يدركون تماماً خطر الطالبان عليهم. ذلك أن إيران تنظر إلى الوضع العراقي على أن أفق تطوره محكوم بين الجيد والأفضل بالنسبة إليها. لكنها تراقب الوضع في أفغانستان، انطلاقاً من احتمال تدهوره من السيئ إلى الأسوأ. وفي كل ذلك، تدرك طهران أن إراحة الأميركيين في بغداد، ستسمح لهم بنقل بعض قواهم من هناك، لاستئناف الحرب في كابول، ضد العدو المشترك لواشنطن وطهران، الذي لم يلاقِ الموت شنقاً بعد.
لكل هذه الحسابات، باتت بغداد أكثر أمناً، وأكثر إفساحاً لانسحاب أميركي جزئي، فيما الانسحاب الكامل لم يعد مطلباً لأي لاعب فوق الرقعة العراقية. تطوّر لن تكون ارتداداته بعيدة عن أوضاع المنطقة، ومن بينها لبنان، الذي استعاد في شكل متزامن رئاسته وحكومته وأسراه، وربما شبعاه وأكثر...




