لبنان وسوريا: العلاقات المستعصية!

المقاومة تعيد فتح الحدود: نقل جثمان مقاوم سوري أعيدت رفاته في عملية الرضوان أول من امس (باسم تلاوي ــ أ ب)المقاومة تعيد فتح الحدود: نقل جثمان مقاوم سوري أعيدت رفاته في عملية الرضوان أول من امس (باسم تلاوي ــ أ ب)
تبدو العلاقات اللبنانية ــ السورية كأنها العلاقات المستحيلة. يختلط الأمر بين التاريخي والحاضر، وبين هواجس الناس وهواجس وحسابات السياسيين. لكن العنصر الأكثر حساسية هو المتصل بالوظيفة الفعلية لمثل هذه العلاقة في إطار تطوير البلدين

إبراهيم الأمين
صورة لبنان في دمشق تختلف هذه الأيام عن سابقاتها. خفّ التوتر الذي كان يسود كل الأوساط من رجالات الحكم إلى عامة الناس. وبعد حوادث أيار الماضي، لم يعد السوريون يخفون رغبتهم في القيام بزيارات إلى بيروت وبقية المناطق. ومن غير السهل أن يتلمس زائر سوريا ما هو جديد إزاء الموقف من خصوم سوريا في لبنان، علماً بأنه على مستوى الدولة، ثمة برمجة لمستوى آخر من العلاقات. ويحظى الرئيس ميشال سليمان باحترام خاص. ينتبه إليه زوار الرئيس بشار الأسد بقوة، كما يسمع زوار بقية القيادات الكلام والرهان على سليمان لاستعادة كل أشكال التواصل بين البلدين. لكن لا أحد يتحدث الآن عن جدول الأعمال المفتوح، علماً بأن أصعب سؤال توجّهه إلى سوري هو عن مستقبل العلاقات مع لبنان.
«العلاقة المستحيلة» بحسب وصف مراقب يقيم في العاصمة السورية. وهو الذي يعتقد «بأن أي لبناني يفكر بمعاداة سوريا، بمعزل عن النظام الحاكم فيه، هو بالتأكيد مجنون، لأنه حتى من يعمل ضد مصلحة لبنان يفكر بضرورة هذه العلاقات». ولذلك يدعو هذا المراقب إلى «عدم إهمال الروح الثأرية ذات البعد الشخصي التي برزت لدى جهات لبنانية في مقاربتها للعلاقة مع سوريا، وهي الروح التي تحمّل السوريين العاديين مسؤولية كل ما يقوم به الحكم، وهي التي لا تستهدف عملياً الانتقام من النظام في دمشق فقط، بل من المواطنين أنفسهم، وهذا ما يفسّر الأحقاد غير العادية التي قامت ضد العمال السوريين وضد التجار السوريين وضد كل من هو سوري، حتى بات خصوم النظام في سوريا أقرب إليه من أي وقت».
لكن هل من مراجعة فعلية للمرحلة التي مرت قبل انسحاب الجيش؟ أو هل ما يحصل الآن في لبنان واستعادة التواصل السوري مع دول غربية عدة لا يستدعي مثل هذه المراجعة؟ وأي مصير سوف يلحق بكل أشكال التعاون بين البلدين رسمياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً؟ وهل في سوريا من يرى ضرورة إعادة النظر في هذه الاتفاقات باعتبار أنها مجحفة بحق سوريا؟ ثم ماذا عن العلاقات الدبلوماسية والأمنية والسياسية وملف الحدود والمفقودين وخلافه؟
في الجانب السلبي من المراجعة، يلقي المسؤولون في دمشق التبعة على الفريق الذي كان يضم نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام ومعه رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي والمسؤول الأمني غازي كنعان. ولا يخفي البعض أن آخرين من الموجودين حالياً في الدولة يتحملون المسؤولية، لكنهم يصرّون على أن الثلاثي «خان الرئيس الراحل حافظ الأسد» وأداروا ملف لبنان وفق حسابات تبيّن أن قسماً كبيراً منها كان وفق جدول أعمال لا يتطابق مع وجهة الحكم، وهو ما دفع بالرئيس الراحل إلى «تكليف آخرين مقرّبين منه متابعة العلاقة التي قامت أخيراً مع معارضي مجموعة خدام في لبنان». ويلفت أصحاب هذا الرأي إلى أن فريق خدام كان ضد أشياء كثيرة في مصلحة لبنان، وأنه «لم يكن معجباً بالمقاومة، وكان ومعه كنعان يعارضان العلاقة مع حزب الله، وقبله مع قوى أخرى كانت فاعلة في المقاومة». ويضيف من الأسباب ما يتصل بأن «دائرة الفساد بين السياسيين اللبنانيين كانت هي على الدوام عنصر النجاح بالنسبة لفريق خدام، وهي دائرة تهتم بكل أنواع الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والشخصي والتي لا تقف عند اعتبار وهي تدافع عن مصالحها فتستخدم السياسة والطائفية والمذهبية والمناطقية وكل شيء».

وماذا عن الغد؟

يعود أحد المسؤولين إلى نحو عامين ليقول بأن ملف العلاقات بين لبنان وسوريا كان مدار بحث بين الرئيس بشار الأسد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وكان الكلام واضحاً وجازماً، بأنه لا أحد في سوريا يفكر بأن هناك عودة للجيش السوري إلى لبنان، وعندما شنّت إسرائيل عدوانها الكبير في تموز عام 2006 استنفر الجيش السوري على الحدود مع لبنان، ولو حصلت معركة لاستخدم الجيش السوري الأراضي اللبنانية لكنه كان سينسحب فور انتهاء العمليات العسكرية. وقرار الخروج العسكري نهائي ولا مصلحة لسوريا في تكراره، كما أنه لا مشكلة لسوريا في إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان وفتح سفارة وخلافه، ولكن الأمر كان رهن عودة الأمور إلى هدوء يسمح بخطوة من هذا النوع.
وإذا كان في سوريا اليوم من لا يزال يتعامل بحذر وشكّ إزاء فريق 14 آذار والضغوط التي تمارسها عليه دول غربية وعربية، فإن في دمشق من يراهن على مستقبل مختلف للعلاقات، وحتى ملف ترسيم الحدود، فإن الأمر واضح ومحسوم: لا ترسيم لمناطق تحت الاحتلال، أما بقية المناطق فلا بأس من المباشرة بالأمر الآن... ولكن هل هناك مصلحة للبنان بهذا الأمر أم سيكتشف الجميع أن المطلوب هو الجزء الجنوبي، ما يقود إلى إراحة إسرائيل وهي لا تزال تحتل أراضي سورية ولبنانية؟
وفي إطار الاستعداد لمعالجة ملف المفقودين، يقول المسؤول نفسه إن السيد نصر الله أثار الأمر شخصياً، وهو قاد مباحثات عززها بعدما وقع حزب الله التفاهم مع التيار الوطني الحر. وثمة ملف موجود لدى الجانبين الرسميين اللبناني والسوري. و«من حق سوريا أن تسأل عن مواطنيها الذين قتلوا أو اختفوا في لبنان، وإذا كان هناك من يريد القول إن قسماً من هؤلاء فقدوا أثناء الوجود السوري، فإن هناك لائحة بالاعتداءات التي حصلت بعد مغادرة الجيش السوري للبنان، ثم هناك حاجة للتدقيق في روايات لحسم ملف مفقودين داخل لبنان، عمدت القوى السياسية المتحاربة في لبنان إلى إزاحة المسؤولية عنها بأن قالت إنهم من المفقودين في سوريا».
لكن بخلاف هذين البندين الساخنين، يتوقع السوريون مطالبة لبنانية تخصّ الوجود الفلسطيني المسلح خارج المخيمات، وهم يعتبرون الأمر من مسؤولية اللبنانيين، لكن النقاش الذي قد يأخذ شكلاً صحياً لو سارت الأمور جدياً، هو المتصل بالعلاقات الاقتصادية والتجارية، حيث ستظهر الحاجة إلى إلغاء المعابر الحدودية لا إلى فرض رقابة عليها. لكن ذلك سيظل رهن المناخ الذي ستناقش في ظله العلاقات.
أمر وحيد يبدو خارج النقاش وهو المتصل بالمحكمة الدولية وعمل لجنة التحقيق الدولية. ففي سوريا من يصرّ على القول إن المحكمة «أمر لا يخصّنا»!
إنها العلاقة الصعبة والمعقدة. ولكن هل من يخرجها من دائرة العلاقات المستحيلة؟


عدد الجمعة ٢٥ تموز ٢٠٠٨