المراجعة المستحيلة: 14 آذار من فوق غيرها من تحت
ابراهيم الأمين
محظوظ فريق 14 آذار بأن وجد كاتباً مثل عباس بيضون يرثيه على طريقته (السفير 28/ 7/ 2008). اختار الرجل الذي تمنّى وليد جنبلاط له قيادة تيار شيعي «متنوّر» ضد حزب الله لغة لا تتطابق والعقل الفعلي لفريق السلطة. وهو أعاد الاعتبار إلى مفاهيم لم تكن يوماً في صلب حسابات أي من قيادات هذا الفريق، وعكس مستوى التوهّم الذي ساد لدى جمهور سرقت منه شعاراته بأن في قيادات القوى الطائفية التي استولت على 14 آذار من يريد تغييراً حقيقياً في البلد. فكيف الحال، وهو الذي كسر أنفه وهو يخرج من عنق الزجاجة الشيعية التي ولد فيها، وإذا بجنبلاط وآخرين من قيادات فريق السلطة يتعاملون معه على أساس أنه شيعي وابن الجنوب، ولكان تلقّى لكمات على أنفه لو أنه ناقش مع زعيم الغالبية الدرزية ملف الديموقراطية في الحزب التقدمي الاشتراكي!.
ولأن بيضون يبدو غريباً، بل ربما ساذجاً إزاء سلوك قيادات 14 آذار، فإن ما قاله يتجاوز قدرة كثيرين في هذا الفريق على التفكير، إذ ليس بين هذا الجمهور من يملك القدرة على النقد بالمعنى المتعارف عليه، وكل من يحتجّ أو يجد نفسه «مبلوفاً»، فما عليه سوى الابتعاد فقط. ولن يغضب القابضون على روح هذا الجمهور، إذ إنهم يتّكلون على نتائج إنجازهم الكبير في تكريس الانقسام الطائفي والمذهبي في البلاد، وأنها توفّر لهم آلية لاستعادة من يغادر محتجاً.
وإن كان المحتج على سبيل المثال حريري الهوى، فإن السؤال هو عن وجهته الجديدة. هل ينتقل إلى صفوف مناصري المعارضة من القيادات السنّية، أم يعلن انتسابه إلى «حزب الله»؟ باعتبار أن مصدر احتجاجه ليس سياسات فريق 14 آذار وأفكاره، بل سلوك قيادات هذا الفريق، وهو احتجاج يأخذ صورة الإشكال التنظيمي، وأنه يريد المزيد من التصلّب، حتى ليبدو انتحارياً كما هي حال كارلوس إده الذي اتّهم حلفاءه السابقين بأنهم بدوا أضعف مما كانوا. ولذلك فإن العقل البارد في تيار «المستقبل» يعتقد بأن المحتجين من أنصاره سيعودون إليه ما إن يدق نفير المواجهات المذهبية، وأن حوادث أيار الماضي أفادت آخرين مثل وليد جنبلاط الذي يقول هو وأنصاره إنه كسب تعاطفاً من أبناء ملّته لم يحصل عليه إلا في عام 1983 عندما خيضت مواجهات ضد «القوات اللبنانية».. علماً بأن الحريري وجنبلاط وآخرين، يظهرون استعداداً لجلد الذات بأكبر قدر من السياط من أجل استعادة ثقة، ولو مرحلية، من جمهورهم، ما يثبت لهم مواقعهم الانتخابية... ولا بأس بأن يستعين هؤلاء بما كتبه عباس بيضون وتوجيه التحية له في آخر الخطاب!.
لكن النقد الذاتي أو المراجعة التي تحاول أن تكون في موقع «ضمير الجماعة» ليست في بال من بيده الأمر، لأن وليد جنبلاط يريد كعادته تنظيم مراجعته وفق معاييره، ووفق آلياته، وهو سينجح في الهروب من المساءلة، ويبدو من السذاجة توقّع أن يخرج أنصاره أو جمهوره ليطالبوه بالانسحاب، بل ها هو يظهر كأنه من يتولى تهدئتهم، وأنه العاقل فيهم، أما الباقون فلهم رؤيتهم المتصلة بحسابات أخرى. ذلك أن سعد الحريري مثلاً، يحتاج إلى آليات عمل مختلفة، وهو ليس مثل جنبلاط، يستطيع متى أراد التوقف عن السير وإدارة ظهره لهذا أو ذاك، أو اتخاذ الوجهة التي يريد. بل هو الآن يحتاج إلى ما يوفر له تماسك قواعده وعدم انهيار كوادره، ولا أحد يعلم ما إذا كان قد اكتشف بعد ما مرّ من تجربته السياسية، أن مَن حوله حشد من الحشو اسمه: مساعدون ومستشارون!.
لكن المصيبة الأكبر تبقى عند الفريق المسيحي في 14 آذار. سوف تصدر عنه أطنان من التصريحات والمقابلات عن وحدة الصف والتماسك وكل أنواع النفاق الذي سرعان ما سيُبطله وليد جنبلاط قبل الآخرين. وهو الذي صارح حليفه الأبرز سعد الحريري بأن دعاه إلى التعامل بواقعية مع الأمور، والحد من الخسائر وعدم خوض معارك نيابة عن الآخرين، علماً بأنه عندما يعود جنبلاط إلى الاختلاء بنفسه، وحوله قلة من مساعديه، يقول لمن يريد له أن يسمع: إذا كان لدينا هذا النوع من الحلفاء، فليس علينا أن نسأل لماذا يهزمنا الأعداء؟.
وفي هذه الحالة، ماذا يفعل أيتام البطريرك الماروني نصر الله صفير. فهؤلاء لن تعينهم صلوات سيدهم أو عظاته التي يستمع إليها بضعة أشخاص يحتل كل واحد منهم عدة مقاعد في كنيسة الصرح. وهو لم يعد قادراً كما السابق على تجنيد جيش الكنيسة ليكون في خدمة أفكاره فقط، ويعرف أن بين المسيحيين اليوم من يفكر برفع دعوى مباشرة عليه في الفاتيكان ويطالب بعزله.
طيّب، وأين هو الحل؟ هل في تحويل دعوة أبناء كسروان لحضور حفل لـ«القوات اللبنانية» بمثابة مذكرة جلب، ومن يرفض يتعرض للتهويل، وفقط من أجل أن يرضي سمير جعجع نفسه وهو يستعيد صور الإرهاب الذي كانت ميليشيات «القوات» تمارسه على أهل المناطق ذات الغالبية المسيحية؟
أم الحل في توزيع ملايين كثيرة من الدولارات تصرفها السعودية مباشرة، أو من خلال جهات سياسية لبنانية، أو خدمات من خلال وزارات الدولة، لإقناع الناخبين المسيحيين بتعديل وجهتهم بعد أقل من سنة؟ وإذا حصل ولم ينفع هذا السلاح، وهو ما برزت له مؤشرات كثيرة، فهل يخوض مسيحيو 14 آذار المعركة تحت عنوان معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهم الذين ركبوا هذه الموجة دون خجل، وكانوا يرون فيه «الخطر الأول على لبنان المسيحي»؟ أم يكون الحل بالخطاب الاستثنائي للعلماني السابق شارل رزق، الذي تحدث عن «تفوّق حضاري» عند المسيحيين في لبنان، فيجد أن العنصرية هي سلاح يمكن بواسطته تعبئة الجمهور لقيام «جبهة وسطية بين الطرفين الأساسيين» على ما صرّح وزير العدل السابق، بعدما خان من أعاده إلى الواجهة سابقاً، ثم هو يحتج الآن على مسيحيي 14 آذار لأنهم خانوه وباعوه بخمسة من فضة!.
إلا أنّ بين هؤلاء من وجد ضالته في العودة إلى إثارة ما يعتقد أنه يستفز الجمهور المسيحي ويدفعه إلى مواقعه، ولذلك يقترح سمير فرنجية وفارس سعيد ونسيب لحود وكارلوس إده وإلياس عطا الله وآخرون جعل شعار معركتهم الانتخابية «التصدي لسلاح حزب الله في كل لبنان».
وإذا كان هؤلاء لم يتوقّفوا يوماً عن الإشادة بالمقاومة كقضية محقة، وبتضحيات شبابها وأهلها، والتذكير بأن انطلاقتها لم تكن على يد حزب الله وأن كل المناطق وكل الطوائف كانت لها حصتها فيها، إلا أنهم فجأة، وبقدرة قادر، يرون أن الحديث عنها سيسبّب ذعراً لدى المسيحيين، وسيدفعهم إلى موقع المعادي للمقاومة. وعندما يخرج شاب جامعي أو مقيم عند خطوط التماس القديمة، أو أحد أبناء الشريط الحدودي سائلاً عن الخلل في التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله يصرخ «الوكلاء الحصريون للفشل السياسي والشخصي»: هل يعقل أن يكون هناك مسيحي مؤيّد أو متفهّم لحزب الله؟ هل يمكن عاقلاً أن يصدق أن ميشال عون يستطيع إقناع أي مسيحي بالوقوف مع حزب الله ومع المقاومة... هل يعقل يا رجل؟




