«اليونيفيل».. سجلّ من الخروق في خدمة إسرائيل

إبراهيم الأمين
نفي القوات الدولية بشأن القرار الصادر عن قائدها في لبنان الجنرال كلاوديو غراتزيانو بالعمل على إنقاذ أيّ طيار إسرائيلي تسقط طائرته فوق مناطق عمل قواته، لم يكن موفقاً، فالرجل يعرف أن نص القرار موجود لدى من يهمه الأمر من جهات في لبنان وخارج لبنان، ثمّ إن التحركات التي تقوم بها قواته منذ فترة في مناطق كثيرة من الجنوب، تشي بأوامر وبمهمّات جديدة، وربما يأتي قريباً الوقت للكشف عن أنشطة ذات طابع تجسّسي تقوم بها مجموعات من قوات الطوارئ بقصد جمع معلومات عن المقاومة وتحركات رجال حزب الله جنوبي نهر الليطاني وحتى شماليه.
وبدل أن يعمد الجنرال الإيطالي الذي يتودّد للإسرائيليين من غير مناسبة الى منع الطلعات الجوية الاسرائيلية فوق لبنان، تراه يهتم بكيفية العمل على حمايتها، وهو يقول إنه يعمل على تنفيذ القرار 1701، وذلك من خلال التأكد من عدم وجود مسلحين أو أسلحة في المناطق القائمة جنوبي النهر، وهو يفعل لتحقيق هذا الهدف أموراً كثيرة منها:
أولاً: إبقاء قيادة الجيش اللبناني في حالة استنفار متواصلة، والابلاغ باستمرار عما تسمّيه قواته تحركات مشبوهة لآليات او سيارات او افراد في القرى والبلدات، وتطلب من الجيش التأكد من أن هذه التحركات لا تخص مسلحين، حتى بات بعض ضباط الجيش اللبناني يضيقون ذرعاً بهذه الطلبات الغريبة العجيبة.
ثانياً: قيام دوريات تابعة لقوات الأمم المتحدة بملاحقة أي سيارة مدنية لبنانية تبدو غريبة عن القرى والبلدات الجنوبية، والسير خلفها حتى داخل القرى نفسها. وبالطبع فإن وسيلة التدقيق لدى القوات الدولية في أن هذه السيارة لا تعود الى أبناء المنطقة، هي من خلال تلقي معلومات يعدّها مخبرون للقوات الدولية جُنّدوا في عدد من القرى، وبعضهم أقر بفعلته وبأنه تلقى أموالاً مقابل هذه الخدمات. ومن جانب آخر، فإن القوات الدولية تعمل وفق لائحة طلبات إسرائيلية مفتوحة، يجري جمع بعضها ربما من خلال شبكات تجسّس للإسرائيليين في الجنوب اللبناني أو من خلال الرصد التقني بواسطة الأقمار الاصطناعية.
ثالثاً: الاستعانة بعناصر لبنانية تحمل جنسيات أوروبية سبق أن كانت من عناصر ميليشيات العميل أنطوان لحد. وهي تبرّر استخدام هؤلاء بأنهم يحملون جنسيات الدول المشاركة في القوة، وبأنه يُستفاد منهم لمعرفتهم باللغة العربية وبأهل المنطقة، دون أن تكترث هذه القوات للصلات المستمرة أو المتجدّدة بين بعض هؤلاء والاستخبارات الإسرائيلية.
رابعاً: تبرير الطلعات الجوية الاسرائيلية من خلال عدم الضغط الجدي على إسرائيل لمنع الخروق، وعند المناقشة التفصيلية، تعمد القوات الدولية فجأة الى اقتراح بدائل، منها أن تعمد هي الى تسيير طلعات جوية لطائرات استطلاع من دون طيار فوق مناطق عملها، بغية الحصول على معلومات تحتاج إليها في إطار عملها الهادف الى تطبيق القرار 1701 من جهة، ولحماية جنودها بعد تعرّضهم لعمليات تفجير أودت بحياة بعضهم، ولوجود إنذارات لديها بأن المجموعات الأصولية التي تريد مهاجمتها لا تزال تعمل على ذلك.
ومع ذلك فإن لبنان سبق أن أبلغ القوات الدولية بأن قواعد الاشتباك ونص التفاهمات المرفقة بعمل القوات الدولية تمنع على هذه القوات القيام بأمور من هذا النوع، فلا يحق لها نصب حواجز ولا اعتقال أو مداهمة ولا حتى تسيير طلعات جوية. ومع ذلك فإن القوات الدولية تقوم بكل ما تكون نتيجته في النهاية تحييد إسرائيل أو حماية خروقها، وهي تطلب في المقابل أن يوفر لها لبنان كل ما تريده... ثم ترى قيادتها وأجهزة الامن في الدول المشاركة فيها تطلب من حزب الله مباشرة المساعدة في حماية قواتها والتعاون لكشف أي محاولات للاعتداء عليها.
وفي سجل العمليات الخاص بالقوات الدولية أو بالجيش اللبناني أو بغرفة عمليات المقاومة، هناك آلاف الصفحات عن الأعمال اليومية التي لا يمكن تفسيرها على غير ما يصبّ في توفير المعلومات التي تعجز قوات الاحتلال عن توفيرها لهذا السبب أو ذاك. وعندما يطرح الأمر على الدوليين تصدر بيانات النفي وكلام الاستنكار وخلافه من الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر في الوقائع الجارية.
وأخيراً، ما إن أطلقت إسرائيل حملة دبلوماسية وإعلامية وأمنية تحت عنوان منع حزب الله من امتلاك أسلحة قادرة على تعطيل سلاح الجو التابع لها، باشرت القوات الدولية مجموعة من الخطوات التي يجري ضبطها بدقة. وكلها كانت تقود حتماً الى القرار الذي صدر عن غراتزيانو والذي يتضمّن تعهداً ضمنياً لقوات الاحتلال بمنع وقوع أسرى جدد في أيدي حزب الله، مع الإشارة هنا الى نوع الإجراءات التي تقوم بها القوات الدولية عند النقاط الحدودية المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة والتي يخشى العدو أن يلجأ إليها حزب الله لأسر جنود أو استدراجهم الى الاراضي اللبنانية، وتتخذ القوات الدولية في هذه النقاط سلسلة من الإجراءات يجري تنسيق بعضها مع الجيش اللبناني في إطار منع أي تجمعات بشرية أو تحركات احتجاجية، ومن بين هذه الخطوات منع التجمعات عند بوابة فاطمة، أو الاقتراب من الشريط الشائك الفاصل على طول الحدود. إلا أن كل ذلك لا يفيد في أصل الموضوع، إذ إن كل هذه التحركات لم توفر للأمم المتحدة مادة تصلح لأن تستخدم في إطار اتهام حزب الله بخرق القرار 1701، وهو ما جعل الامين العام بان كي مون يقول في تقريره الاخير إنه لم يحصل أن كشف عن أي خطوة تعبّر عن انتهاك لبناني للقرار، وليس هناك أي دليل على قيام حزب الله ببناء ترسانة عسكرية جنوبي نهر الليطاني. ومع ذلك فإن القيادة الاسرائيلية تتصرف على أساس مختلف، وهي باتت الآن تضع الصواريخ البعيدة والمتوسطة والقصيرة المدى في مرتبة ثانية بعد حصولها على معلومات استخبارية تفيد بأن حزب الله حصل على منظومة صواريخ متطورة لمواجهة سلاح الجو، وأن هذه الصواريخ من شأنها تعطيل حركة الطيران التجسّسي، كما من شأنها تعطيل حركة الطيران العملاني، وفي الحالتين فهي تحقق توازناً لم يكن منتظراً في يوم من الأيام، لأن إسرائيل من دون سلاح جو تتصرف كمقاتل هرم ثقيل الحركة لا يقوى على التقدم براً من دون الغطاء الجوي، وهذا يعني أن سكان الداخل والعمق في إسرائيل سوف يُتركون لمصيرهم إذا ما اندلعت أي مواجهة جديدة، وهذا يمكن أن يفسّر الإلحاح الاسرائيلي على أخذ ضوء أخضر للقيام بعمل عدواني ولو محدوداً بقصد شل قدرات المقاومة أو منعها من تحقيق نتائج جديدة.. وهو أمر لن تقدم عليه إسرائيل من دون دعم العالم، ويصادف أن في جنوب لبنان الآن أكثر من عشرة آلاف جندي من 13500 جندي هم من دول تعدّ في مقدمة الدول الصديقة لإسرائيل...
فهل يشرح غراتزيانو ما الذي ينوي القيام به؟


عدد الخميس ٧ آب ٢٠٠٨