إسرائيل وسؤالها المقلق: ماذا لو أسقط حزب الله طائراتنا؟
إبراهيم الأمين
تقترب إسرائيل شيئاً فشيئاً من لحظة القرار. فمنذ 15 آب عام 2006 وجنرالات الجيش فيها يفكرون بالانتقام من حزب الله ومن لبنان ومن سوريا وإيران أيضاً. ولأن القاعدة النفسية ــــ المهنية التي استند إليها تقرير فينوغراد قالت بـ«الإخفاق» لا بالعجز، فإن البحث يقوم على فرضية إعادة ترتيب الأمر بحيث لا يكون هناك إخفاق آخر، وهو ما يراه رئيس الأركان الحالي غابي أشكينازي مهمته المركزية منذ تولّيه مهماته خلفاً لدان حالوتس، الذي كان بدوره قد افترض بين الثاني عشر والرابع عشر من تموز عام 2006 أنه حقق الإنجاز الأكبر الذي لا يقود أبداً إلى شيء اسمه إخفاق، عندما رأى أن جهوزية جيشه الاستخبارية كافية لتوجيه الضربة الأولى والحاسمة إلى المقاومة، من خلال عملية «الوزن النوعي» التي هدفت إلى ضرب البنية الصاروخية المتوسطة والبعيدة المدى التي تملكها المقاومة في لبنان. ولم تمض أيام كثيرة يومها، حتى انطلقت دفعات الصواريخ إلى حيفا.
في ما بعد، نقل الإعلاميون في إسرائيل روايات عن تلك الساعات. قالوا إن حالوتس، بعد الغارات الكثيفة لطائراته على أهداف عدة في لبنان، جلس في غرفة للقيادة العليا وقال لإيهود أولمرت: لقد انتصرنا. ويومها أقنعه بمواصلة الحرب للإجهاز على ما بقي من حزب الله. لكن ما يعرفه قليلون هو أنه عقب خروج أول صلية من الصواريخ إلى حيفا، كان الشهيد عماد مغنية في غرفة العمليات الخاصة بالمقاومة، وهو قال لمن كان بجانبه: لقد انتهت الحرب، وما علينا الآن سوى الصمود.
بعد عامين من تلك الحرب القاسية، يعود زوار تل أبيب من الأجانب بانطباعات تركّز على أن أشكينازي وجنرالات الجيش، قبل أي مسؤول سياسي في الدولة، يعملون بجدية من أجل الساعات التي يخرجون فيها إلى حرب حاسمة ضد حزب الله، وفي خلفية عقولهم ليس رفع علم إسرائيل فوق أبنية مدينة بنت جبيل، بل أن تنتشر صورهم في الصفحات الأولى لكبريات الصحف العالمية، وفي مقدّمات نشرات الأخبار وهم يرفعون شارة النصر، ويعيدون إلى الذهن عند الرأي العام في العالم، قبل إسرائيل، صورة الجيش الذي يقهر كل خصومه. ولذلك، فإن الزوار يتحدثون عن مهمة واحدة يفكر فيها الإسرائيليون، وهي: الانتقام والتخلّص من حزب الله.
لا يعني هذا الكلام أن إيران لا تمثّل أولوية بالنسبة إلى إسرائيل. والذين خرجوا منها إلى واشنطن خلال الشهرين الماضيين من سياسيين وأمنيين وعسكريين، كانوا يلحّون على القيادة الأميركية بضروة العمل لإجبار إيران على وقف برامجها النووية، وأن يتم الأمر بالقوة، ما يسمح بأشياء كثيرة: التخلّص من إيران كعدو قوي، وإنهاكه داخلياً لكي يتفرغ لإعادة بناء ما تهدم وترك الآخرين وشأنهم، وجعل المناسبة فرصة لتصفية حساب مع سوريا ولبنان، ولرفع معنويات محور الاعتدال في المنطقة، والإجهاز على قوى المقاومة في فلسطين، وإدخال العرب في برنامج تطبيع وتهدئة لستين سنة أخرى. وفي كل مرة يجري النقاش حول دور إسرائيل العملي في هذه الحرب أو في مواجهة سوريا أو لبنان، يصاب الإسرائيلي بإحباط لاعب يحاول تسلّق كل السلالم في لعبة المربعات، قبل أن يقوده حظه (النرد) إلى فم أفعى تعيده إلى الأسفل. وهذه الأفعى بالنسبة إلى إسرائيل هي حزب الله. فكيف يُقطع رأسها.
في فترة سابقة كان الإسرائيليون يراهنون على أمور كثيرة. منها أن يفرض وجود القوات الدولية في جنوب لبنان واقعاً يقيّد حركة حزب الله، وسعوا، مع حلفاء لهم في لبنان من فريق السلطة وبدعم أميركي وأوروبي غير مسبوق، إلى فرض طوق دولي أمني وعسكري على كل لبنان لمنع وصول أي مساعدة عسكرية لحزب الله من سوريا، واتّكلوا على الأوضاع الداخلية اللبنانية والانقسام السياسي والطائفي لإنتاج وضعية تمنع حزب الله من التقاط الأنفاس بعد الحرب، فإما أن تلهيه عن ملف المقاومة أو تجعله يغرق في وحول الداخل بما يحقق الهدف نفسه. ثم ما لبثت أن اتّكلت على دور أميركي ــــ فرنسي ــــ عربي (من الصنف المعتدل) لخلق وقائع تحاصر سوريا وتدفعها إلى خيارات نتيجتها وقف دعم المقاومة في لبنان.. وأشياء أخرى انتهت كلها إلى نتيجة واحدة: صفر مكعب كما يقول الأولاد عندنا... فما العمل؟
فكرت إسرائيل ولا تزال بالخروج في حملة جديدة ضد المقاومة، لكنها حتى اللحظة لا تبدو واثقة من قدرتها على تحقيق نتائج حاسمة، ولأن المعركة لم تعد تحتمل خسائر جديدة، فإن الشك الذي دخل قلوب قادة العدو وجنوده حيال ما يمكن القيام به، جعل العدو يتردد، دون أن يتوقف عن الاستعداد، وهو رفع بقوة استثنائية من وتيرة عمله الأمني وصولاً الى تنفيذ عملية اغتيال الشهيد مغنية، ويحاول الآن من دون توقف الوصول الى السيد حسن نصر الله أو الى الحلقة الضيقة من كبار قادة المقاومة. ولكنه يعرف جيداً، أن الأمر قد لا ينتهي بهذه الطريقة. وبين الحديث عن ضرورة مهاجمة إيران وضرب حزب الله وسحق حماس جنوباً، تجد إسرائيل نفسها أمام فكرة ضرب السلسلة من وسطها، أي توجيه الضربة القاسية الى سوريا، فبحسب تقديرات البعض في تل أبيب تُفصل السلسلة من وسطها الذي يربط بغداد وطهران من الشمال ببيروت وغزة جنوباً. لكن إسرائيل تعرف أيضاً، أنه بعد انتصار المقاومة في تموز 2006، لا إخفاق العدو، أخذت علاقة المقاومة في لبنان وفلسطين مع سوريا وإيران بعداً خاصاً جداً. ومثلما حصل عام 1967 حيث بات «الغرب الصليبي» مقتنعاً بقيمة إسرائيل في مواجهة «الشرق العربي والمسلم» فإن إيران وسوريا باتتا تنظران بطريقة مختلفة الى حزب الله بعدما أثبت أن إسرائيل ليست قدراً لا مفر من التعايش معه، ما يعني عملياً، أن إسرائيل تعرف أن أي محاولة لضرب سوريا، ستكون في الحقيقة ضربة لحزب الله، والعكس صحيح، وإذا توجهت إسرائيل بحرب طاحنة على سوريا ولبنان فإن إيران ستكون في موقع المعني هذه المرة، ما يقود الى نتيجة واحدة قد لا تظهر دفعة واحدة وهي أن السلسلة التي تمتد من طهران حتى غزة، ستكون ملزمة بتولي مهمة واحدة في وجه إسرائيل، فهل تقدر الأخيرة على جذب العالم كله الى مواجهة شاملة وحرب عالمية لإنقاذ ورطتها الأمنية والعسكرية والنفسية؟
الواضح حتى الآن، أنه ليس هناك ما يشير الى جهوزية لحرب شاملة، ولكن ذلك لا يحل المعضلة، والوقت لا يفيد إسرائيل وحدها، بل ربما يفيد أعداءها أكثر، وهو الأمر الذي يظهر في مواقف العدو وتحركاته في مواجهة ما يسمّونه «تعاظم قدرات حزب الله القتالية والتسليحية» ولذلك فإن السؤال المركزي الآن: كيف تفكر إسرائيل وكيف تتصرف لو أن المقاومة أسقطت إحدى طائراتها فوق لبنان؟ وكيف سيكون الوضع لو صرنا أمام رون أراد آخر؟ وعلى ماذا تتكل إسرائيل غير قوتها لتسوية الأمر وعدم مواجهة واقع كهذا.. مشكلة، حقاً هي مشكلة؟


