
الحسيني: ما طُبِّق هو الاتّفاق الثلاثي لا الطائف
أنطون الخوري حرب
يتمايز الرئيس السابق لمجلس النواب حسين الحسيني عن فريقَي المعارضة والأكثرية في مقاربته للملفات السياسية بعد اتفاق الدوحة. فالحد الأدنى لروحية التوافق تقضي أولاً بوقف الحرب السياسية والإعلامية، «لكن إذا تخلى أي من الزعماء عن الخطاب الطائفي لمدة عشرة أيام، فسيشعر بأن قاعدته الشعبية تنهار، حيث لا إمكان له لاستقطاب التأييد الشعبي خارج التجييش الطائفي». ويشكك الحسيني بنجاح أي اتفاق ما لم يقم على إعادة تكوين السلطة وفق الدستور والميثاق الوطني، ويصف قانون 1960 الانتخابي بالعائق أمام بناء الدولة، لأن القانون التمثيلي الصحيح يكون في إطار وطني لا مذهبي، وفي الإطار الوطني يصبح اعتماد النسبية مع صوت التفضيل هما الأفضل للتمثيل الطائفي والوطني معاً، «ففي النظام النسبي ترتفع نسبة التصويت لأن صوت الفرد يكتسب أهميته من أبناء دائرته، فيتمثل المسلم في المناطق المسيحية والمسيحي في المناطق الإسلامية تمثيلاً حقيقياً وعادلاً». ويرى الحسيني أن طرح الوزير السابق فؤاد بطرس صحيح، لكونه يعبّر عن تجربته في صنع قانون 1960 الذي جرى إقراره لمصلحة حزب العهد حينذاك، أي الكتائب. لكن هذا القانون اليوم بات يمثل تحالفاً رباعياً أضحى خماسياً بعد انضمام العماد ميشال عون إليه.
ويستعرض الرئيس الحسيني مسيرة الدولة اللبنانية مع الأنظمة والدساتير منذ ما قبل 1943، مصراً على وجوب مواكبة التطور من مرحلة إلى أخرى لتحقيق المواطنية والانتماء الكامل للوطن قبل الطائفة والمذهب، وهذا ما كان يجب أن تتمخّض عنه الأحداث والتطورات منذ إقرار وثيقة الطائف التي لم تطبّق كما يجب حتى اليوم، مشيراً إلى أن المجتمعات التي لا تطوّر نفسها في سبيل التقدم تنقسم شيعاً ومللاً وأعراقاً وتخرب كيانها مرتمية في غياهب التخلّف.
ويرى عراب الطائف أن ما نفّذ منه حتى اليوم هو الاتفاق الثلاثي، لا وثيقة الوفاق الوطني، حيث غيّبت مبادئ وقواعد الفصل بين السلطات بسبب الهروب من تحديد عمل كل سلطة بقوانين تشريعية، لا فقط بمراسيم ليس لها قوة الإلزام، ويمكن كل متضرر منها مخالفتها دون محاسبة.
وعبثاً يحاول السياسيون تحقيق الاستقرار بالتفاهمات السياسية التي تتحقق بين المتصارعين والمتنافسين فوق الميثاق والدستور، لأن كل تفاهم غير محكوم بنص يوافق عليه ممثلو الشعب في البرلمان يكون ضد الدستور وإرادةالأمة.
ولا يعوّل الحسيني كثيراً على التحالفات الانتخابية المقبلة التي «لن يحكمها معيار سياسي ووطني واحد في كل الدوائر»، إضافة إلى تخوّفه الكبير من المال الانتخابي، الذي يجب التشدد بشأنه في القانون الحالي على علاّته.
أما بالنسبة إلى المعالجات الاقتصادية، فيرى الحسيني أن القاعدة التي بُنيت عليها خطط المديونية والإعمار أرست خللاً في الأولويات بالتلازم مع استراتيجية الجنّة الضرائبية التي تجاوزت تشخيص الأزمة المعيشية والاقتصادية وأحجام المداخيل وتوزيعها على فئات الإنتاج والمكلفين، بحيث أصبح العبء الضريبي الأقسى على كاهل المكلفين من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، فيما يتمتع كبار المكلفين بحماية كبيرة من الضرائب العالية التي من المفترض أن تطال مؤسساتهم. لكن شيخ البرلمان لا يفقد أمله بالمستقبل اللبناني «لأن في هذا الوطن أجيالاً تطمح إلى الحياة الحرة والمستقرة والكريمة».
ويخلص الحسيني إلى وصف الأزمة اللبنانية بأزمة نظام مرشحة لأن تصبح أزمة كيان، ما يوجب دق ناقوس الخطر لاستدراك الانهيارات المحتملة، فتكون الفرصة بمتناول المسؤولين مع قابلية المعالجة المنهجية انطلاقاً من العقل المؤسساتي، وإلا ضاعت الفرصة وضاع معها الوطن والكيان.
فشل الطبقة السياسية في إنتاج حياة سياسية سليمة يزيد الحسيني إصراراً على المجاهرة بالمنطق أملاً بالمستقبل المشرّف، حتى بات يمثّل الحكمة السياسية التي قد لا يماثله بها إلا الرئيس سليم الحص. فهل تستفيد السياسة من حكمة الحكماء؟






