وثائقي عن العاملات الأجنبيّات في إطار حملة توعية
رنا حايك
لا قانون يحكم علاقتها بربّ عملها (مروان طحطح)في لبنان نحو 200 ألف عاملة أجنبية لا يحكم علاقتهن بأصحاب العمل قانون خاص، بل يتحكّم فيها مزاجهم وأهواؤهم الشخصية. النتيجة: 100 ألف منهن يتعرّضن للقدح والذّم، 60 إلى 70 ألف يتعرّضن لعقاب جسدي، و10 إلى 20 ألف يتعرّضن لاعتداء جنسي، بحسب دراسة أجراها الباحث الاجتماعي في الجامعة الأميركية راي جريديني. دفع هذا الواقع بمنظمة العمل الدولية إلى التحرّك، فباشرت منذ فترة الإعداد لحملة إعلامية على أن يتوجّها إصدار تشريع ينظم تلك العلاقة. ويأتي الوثائقي التي أعدته المخرجة كارول منصور «Maid in «Lebanon ضمن إطار هذه الحملة.
أنجزت كارول الجزء الأول من الوثائقي عام 2005، تناولت فيه قصص المستخدمات الأجنبيات بصوت وضمير إحداهن. بدأته بمستخدمة سريلانكية توصّلت بعد سنوات من العمل في لبنان إلى تشييد منزل لها في بلادها، وأنهته بالقصة المأساوية لسريلانكية أخرى اغتصبت في بيت مستخدمها اللبناني. في الجزء الثاني من الوثائقي الذي عرضته منصور منذ شهر، كانت الراوية سيدة لبنانية، وسلكت المخرجة فيه اتجاهاً معاكساً: فالوثائقي بدأ باستعراض المشاكل التي تتعرض لها المستخدمات بالنسبة إلى التعسف في المعاملة، وساعات العمل المتواصلة، ومنعهن من الاحتفاظ بجوازات سفرهن، وانتهى بشهادات عبّرت من خلالها المحظوظات منهن عن ارتياحهن في المنازل التي يعملن فيها. تضمّن الوثائقي معلومات مهمة «كان الحصول عليها سهلاً لتوافرها ولانتشار الظاهرة الواسع في لبنان» كما تقول المخرجة. ويتوسّع نطاق تلك المعلومات ليشمل جميع بلدان الشرق الأوسط التي تستقبل سنوياً 600 ألف عاملة سريلانكية، 800 ألف فيليبينيّة، و150 ألف إثيوبية، في مقابل معلومات من الحكومة السريلانكية تفيد بوصول نحو 50 مستخدمة يومياً من الشرق الأوسط إلى بلادها، في ظروف صحية ونفسية مأساوية.
كانت هذه الوقائع بمثابة الدافع الأساسي لتحرك منظمة العمل في الإطار الصحيح، فمديرة المكتب الإقليمي للدول العربية في المنظمة، ندى الناشف، أكدت خلال مداخلتها على الجهود التي تبذلها المنظمة «للقيام بحملة إعلامية تستهدف الرأي العام، تعمّم بموجبها كتيّبات بأكثر من تسع لغات تعرّف العاملات على حقوقهن وعلى واجباتهن، يصاحبها تنسيق مع وزارة العمل اللبنانية لاستصدار قانون يحفظ حقوق وواجبات الطرفين في علاقة العمل هذه».
ولعلّ الحملة الإعلامية وحملة التوعية هما الجزء الأهم. على الأقل، هذا ما عكسه الوثائقي الثاني لمنصور في مشاهده الأولى حيث بدا واضحاً افتقار معظم اللبنانيات إلى ثقافة الاعتراف بإنسانية الآخر، أما إذا اعترفن بها، فتكون من منطلق فوقي، وبدافع الشفقة لا الواجب والحق.
في شركة استقدام الخادمات التي أجرت فيها منصور بعض المقابلات، تشرح المسؤولة آلية الاستقدام وتكاليفها، بينما تمارس النساء هوايتهن اللانهائية في «النق»، وتتفوهن بجمل في منتهى التّجبر والعنصرية: «البنت منيحة وآدمية بس لو كانت عند ناس تانيين كانوا زتوها برا». أو: «الله لا يجعلها بديار حدا». كذلك: «ضربوها كفين مش إنو نزلوا فيها بالعصي يعني»، أصلاً «شو بعد فيه حدا ينضرب هاليومين؟ صارت عيونن هالوسع».
للحكومة أيضاً نصيب، فرغم سماحها لهن بكل التجاوزات الممكنة، فإنها تبالغ حين تطلب أن يكون للمستخدمة غرفة مستقلة، ويصبح التعليق: «إنو بعد ناقص يركبوهن عكتافنا. شو هن ببيتن كان عندن أوضة؟»،
تكمن براعة المخرجة في توثيق هذه الحالة من دون أيّ تدخل. فهي لا تطلق الأحكام، بل تكتفي بتصوير حديث يدين صاحبته، وتوضح وجهة نظرها الخاصة من خلال النقلات الذكية التي تقوم بها من مشهد إلى آخر، فبعد الحديث عن الضرب تتتالى مشاهد الأجساد المشوّهة لسريلانكيات تعرضن له.
صوّرت المخرجة جزءاً من الوثائقي في سريلانكا، فأشارت إلى الدورات التوجيهية التي تخضع لها العاملات لتعلّم بعض مفردات اللغة العربية، والتعرّف إلى أجواء الثقافة الاجتماعية والتدرّب على آلات كالغسالة والمكنسة الكهربائية التي قد يكُنّ يرينها لأول مرة.
تدعو بعض الدول لإجراء دورات مقابلة لتدريب سيدات البيوت على التواصل مع العاملة التي يستقدمنها. لبنان ليس من تلك الدول، إلا أنه من أكثر البلدان التي تستدعي تطبيق هذه التدابير. فذلك قد يضع حدوداً لتسلّط صاحب العمل، وينقذ مئات العاملات من التعرض للإساءة من جانب أصحاب عمل يجبرونهنّ على العمل أكثر من 14 ساعة تقريباً في اليوم، ويمنعون عنهن العطل ويتأخرون عن تسديد أجورهن، لاعتبارهم ذلك حقاً من حقوقهم.







