امتحان المؤسّسة العسكريّة: تسييس الجيش أم تعيين قائد مسيّس (1)
نقولا ناصيف
تعيين قائد جديد للجيش هو أحد القرارات القليلة المهمة التي ستتخذها حكومة الوحدة الوطنية في ولايتها المستمرة حتى موعد انتخابات ربيع 2009، شأن القرار المهم الذي اتخذته بتبادل دبلوماسي مع سوريا وفتح سفارة في دمشق، وشأن القرار الآخر المهم الذي ستتخذه وهو إجراء تلك الانتخابات، وشأن القرار المهم المرجّح أن لا تتخذه وهو مصير سلاح حزب الله والاستراتيجيا الدفاعية. وبعد انقسام الرأي على هامش جلسة مجلس الوزراء مساء الخميس حيال تعيين القائد الجديد بين فريقين لكل منهما مواصفات مرشّحه، يقف بينهما الرئيس ميشال سليمان الذي له هو الآخر مرشّحه، برز الانقسام في الرأي داخل كل من قوى 14 آذار والمعارضة، فلم يتوحّد أي منهما على مرشّح واحد للقيادة يخوض به معركته ضد الآخر. بعض الموالين كالنائب سعد الحريري يطرح اسماً ليرفض آخر ويثبّت ثالثاً، والبعض الآخر كالنائب وليد جنبلاط يصرّ على مرشّح واحد لا بديل منه تحت وطأة التهديد بالتصويت ضد أي اسم سواه. كذلك بعض المعارضين كالعماد ميشال عون يتصرّف بلامبالاة حيال أي اسم لئلا يميّز ضابطاً عن آخر وهو كان قائدهم جميعاً لسنوات خلت، والبعض الآخر كحزب الله بدأ يتخلى عن تصلبه السابق بدعم مرشّح للدخول في صفقة مقايضة.
وهكذا تدور المشكلة حول 3 ضباط هم مدير المخابرات العميد جورج خوري، وقائد منطقة جبل لبنان العميد أنطوان كريم، وقائد اللواء العاشر العميد جان قهوجي.
لقرار تعيين قائد جديد للجيش أكثر من خصوصية:
أولاها، أن تعيين قائد جديد يأتي كأحد الاستحقاقات القريبة والحتمية التي تلي انتخاب رئيس جديد للجمهورية الذي يختاره، وهو يرافقه طيلة مدة ولايته. حتى الرؤساء الذي حظوا بتمديد ولايتهم لم يبدّلوا القائد في الولاية الثانية. كانت هذه حال الرئيس بشارة الخوري مع اللواء فؤاد شهاب (1948)، والرئيس إلياس الهراوي مع العماد إميل لحود (1995)، والرئيس إميل لحود مع العماد ميشال سليمان (2004). بذلك بدت صورة القائد الماروني مكمّلة لصورة الرئيس الماروني.
ثانيتها، التلازم الآخر الحتمي بين تعيين القائد وتعيين مدير الاستخبارات، وكلاهما يذهب بذهاب الرئيس ما لم يطرأ أمر غير محسوب كإقالة العماد إميل بستاني (1970) في السنة الأخيرة من عهد الرئيس شارل حلو، والعماد اسكندر غانم (1975) في السنة ما قبل الأخيرة من عهد الرئيس سليمان فرنجيه، والعماد إبراهيم طنّوس (1984) قبل أقل من سنتين من بدء ولاية الرئيس أمين الجميل. لكن أياً من مديري الاستخبارات لم يُقل ما خلا سابقة العميد خليل جلبوط (1991) والعميد ريمون عازار (2005) عندما طلب إجازة من وظيفته بسبب اتهامات سياسية سيقت إلى جهازه والأجهزة الأمنية الأخرى بالتقصير في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولأن التلازم حتمي، ولأن رئيس الجمهورية يختار المرشحين لهما، فإن أي إبعاد لأي من شاغلي المنصبين يكون بإرادة الرئيس. لذا عُدّا سياسيَّين. وما خلا اللواء عادل شهاب، كل القادة الذين سبقوه أو خلفوه كانوا مسيّسين أو لصيقي سياسيين، وكان هذا أحد أسباب اختيارهم. كذلك حال مديري الاستخبارات مذ وطّد النقيب انطون سعد الجهاز (1952)، فتوالى عليه ضباط مسيّسون.
ثالثتها، أن اتفاق الطائف أعاد النظر في الوظيفتين على نحو غير ملتبس، وأخرجهما من أعراف سابقة اعتمدا عليها. بات تعيين قائد الجيش بغالبية ثلثي مجلس الوزراء الذي لم يعد رئيس الجمهورية يرئسه ولا يصوّت فيه، ولا هو وحده الذي يختاره، أضحى تعيين القائد أسير توازن القوى داخل المجلس وإن بدا الخيار عرفاً لرئيس الجمهورية. كذلك الأمر بالنسبة إلى مديرية الاستخبارات التي حُصرت مهمتها بأمن الجيش والعسكريين.
رابعتها، أنها المرة الأولى في ظلّ أحكام دستور الطائف والواقع الناشىء عنه يعيّن قائد للجيش ومدير للاستخبارات خارج القرار الحصري لدمشق بتسميتهما. سُمّي لحود وسليمان قائدَين بموافقتها، وكان الاختبار السوري أن أياً منهما لم يكن خيار رئيس الجمهورية. أراد الهراوي العميد فهيم الحاج قائداً، ولحود العميد أسعد غانم قائداً. فاختارت دمشق تحت وطأة وجودها العسكري والسياسي سواهما. كذلك أيّدت تعيين جلبوط والعقيدين ميشال رحباني وريمون عازار مديرين للاستخبارات. أما العميد جورج خوري، فتسلّم المديرية في اليوم السابق لخروج آخر جندي سوري من الأراضي اللبنانية في 28 نيسان 2005. ولأن تعيين الرجلين بات الآن في أيدي المسؤولين اللبنانيين ظاهراً على الأقل، فهو سيصبح جزءاً من نزاعاتهم المفتوحة على كل الملفات السياسية. والأحرى أن يكون الأمر كذلك مع حكومة الوحدة الوطنية التي يريد أفرقاؤها تقاسم كل حلّ أو قرار أو الوقوف في طريق ما لم يُرضِهم.
خامستها، أن الجيش في ظلّ الحقبة السورية كسائر الأجهزة الأمنية كان جيش فريق سياسي ضد آخر بسبب تأثير دمشق فيه وفي قرارات تحريكه لحمله على موالاة حلفائها في الحكم، لكنه كان على طرف نقيض من المعارضة المسيحيّة، ولم يتردّد في اضطهاد أنصارها المؤيدين للعماد ميشال عون والقوات اللبنانية. بيد أنه الآن، ومذ جلت سوريا عن لبنان، انتقل إلى وظيفة مختلفة، بسيطة وبديهية وفي الوقت نفسه أكثر تعقيداً: أن يكون مع طرفي النزاع معاً من غير أن يقف في صف فريق ضد آخر، أو ينحاز إلى خياراته.




