التهدئة في عين الحلوة طموح كبير لمنطقة ملتهبة
فداء عيتاني
صدِّق أو لا تصدِّق، فإنّ عصبة الأنصار في عين الحلوة، المتّهمة دائماً بأنّها وراء المشكلات الأمنيّة والاضطرابات، والتي يطالب القانون اللبناني بتسليم عدد من قياديّيها لأنفسهم، وخاصة أبو محجن السعدي وأبو شريف عقل، هذه العصبة هي التي تعتمد التهدئة، والتي تسعى إلى الحفاظ على الأمن في المخيم، وإلى إعادة تصويب مسار الأمور، وفضّ النزاعات والعمل على جبهتي الجهاد في العراق وفلسطين، دون الدخول في اشتباكات داخلية.
تسود في مخيم عين الحلوة جهات رئيسيّة، وأهمّها عصبة الأنصار التي تأتي أوّلاً، ويليها حركة فتح، المنقسمة ما بين سلطان أبو العينين وممثّل السلطة الفلسطينيّة في بيروت عباس زكي، والعقيد منير المقدح، الذي يتميّز بعلاقات إيجابية مع العديد من الأطراف اللبنانية والفلسطينية، وجند الشام، التنظيم الذي أعلنت عصبة الأنصار منذ أكثر من عام ضمّ عناصره إلى قواها، وحلّه رسمياً. أضف إلى ذلك وجود قوى أخرى، عادةً لا تتدخل في الاشتباكات والمعارك الدائرة في المخيم، وهي قوى وطنية وإسلامية فلسطينية.
كانت الجهات الرسميّة اللبنانيّة تعمل على الحدّ من المشكلات في داخل مخيّم عين الحلوة، هذه الجهات التي تسعى إلى إقامة حالة من الهدوء ليس فقط في عين الحلوة، بل في كل المخيمات الفلسطينية اللبنانية، لم يلاقها في منتصف الطريق إلا عصبة الأنصار من ناحية، ولقاء يساري فلسطيني تحت مسمى جبهة اليسار الفلسطيني.
الدولة اللبنانية بشكل رسمي غائبة عن ملف مشابه، وهي معنية فقط عبر قواها الأمنية بالقمع والتصدي لأية محاولات عصيان أو خروج من الأطر المتفق عليها، وهي في الغالب الأعم تلعب عبر الأطراف الفلسطينية لعبة الأمن والسياسة في المخيمات، من نهر البارد إلى الرشيدية مروراً بعين الحلوة طبعاً.
وأما القوى الفلسطينية الرسمية، فهي بحالة لا تحسد عليها، بحسب أحد المتابعين، فلدى وقوع مشكلة داخل مخيم عين الحلوة، فإن إحدى القوى الرسمية الفلسطينية تقف خلفه لتوجيه رسالة إلى قوة أخرى، وكلما اشتد عود إحدى القوى في فتح داخل المخيم ينقلب عليها جناح آخر بواسطة المشكلات الأمنية، ويصبح عندها على عصبة الأنصار حصر الأضرار وتجنب إراقة الدماء، ومنع القوى الأصغر وزناً من جند الشام وبعض المجموعات العربية والفلسطينية واللبنانية من القيام بردات فعل.
إلا أن الأمور بدأت تتجه، بحسب من يراقب عن كثب، إلى تطور إيجابي، حيث تمكن أحد المعنيين اللبنانيين من ترتيب لقاءات خاصة للمجموعات الفلسطينية المختلفة في المخيم، وطموحه أكبر من مخيم عين الحلوة طبعاً. إلا أن النجاح في فرض التهدئة هناك يعني إمكان إرسائها في كل لبنان، على غير النمط الذي ساد مخيم نهر البارد بعد حرب ضروس، وضمت اللقاءات أطرافاً من فتح ومن الإسلاميين ومن الجانب اللبناني أيضاً الذي أطلق المبادرة.
ورغم تغيّب طرف بارز، ومعرفة الجانب اللبناني المتابع أن ذلك يعني إمكان ضرب هذا الطرف للتهدئة، إلا أن الاتصالات التي حصلت مع الطرف الغائب أدّت عملياً إلى موافقته على الاتفاق، والذي يفترض أن يبصر النور قريباً، وهو، أي الطرف الغائب الرئيسي بين القوى الرسمية في منظمة التحرير الفلسطينية، استمهل حتى انقضاء زيارة محمود عباس إلى لبنان.
إلا أن زيارة محمود عباس إلى لبنان قد تعيد الأمور إلى نقاط البداية. فالصراعات الداخلية في فتح تأخذ من أرض المخيّم منطلقاً لتكريس النفوذ أو تنغيص قدرات وهَيْبة القيادة للمنظّمة والممثّلية في البلاد. كما ان القرار الجدي الذي اتخذته جهات لبنانية بتكريس حالة سلمية داخل المخيم، مع خطة حقيقية تم البحث في سبل تنفيذها بتفاصيلها المتشعبة والمملّة، هذا القرار قد يغيّر من صورة المخيّمات في البلاد، ممّا لا يوافق مصالح دول صديقة عدّة تريد الإبقاء على فتائل التفجير في المخيم، بدلاً من تحويله، أولاً وباقي المخيمات تالياً، إلى أماكن للسكن والعيش الطبيعي وربما التجارة والأعمال المتوسطة.
يعرف القيّمون على المبادرة خطورة ما يقومون به، والذي قد ينتهي بعبوة أخرى تشبه تلك التي وقعت في طرابلس، إلا أنها قد تودي بحياتهم هم، ورغم ذلك لا يزالون يصرّون على متابعة العمل على مخيم عين الحلوة خالياً من النزاعات، ومن عناصر القاعدة على أساس إفساح المجال لهم بالرحيل.





