قائد للجيش تقنيّ أم مسيّس في مغاطس السياسيّين وخلافاتهم؟

نقولا ناصيف
في جلسة مجلس الوزراء، الخميس المقبل، سيقترح وزير الدفاع إلياس المر اسم القائد الجديد للجيش على الوزراء للتصويت عليه بغالبية الثلثين. يبدو هذا الخيار نهائياً، وفي الوقت نفسه المخرج الوحيد المتاح للمرّ في شأن يخصّ وزارته ويقع في نطاق مسؤوليته الحصرية. لا يستطيع أن يطرح أكثر من اسم محتمل للمنصب كي لا يشرك المجلس في خيار هو الذي يقرّره، ولا يسعه إحراج نفسه في طرح أكثر من اسم فيدخل الوزراء في لعبة الإلغاء المتبادل لهذا وذاك وإدخال قيادة الجيش في بازار التجاذب. ولا يستطيع التعاطي مع خياره هذا على أنه يبحث عن قائد تقني للجيش لا يمكن إلا أن يكون في واقع الأمر مسيّساً. ولأن المنصب كذلك، ليس في وسع الوزير أيضاً تصوير المنصب إلا كموقع سياسي بامتياز تتعامل معه الموالاة والمعارضة على أن كلاً منهما معنيّ مباشرة بمواصفات الضابط الذي سيتبوأه بسبب اهتمام هذا الفريق أو ذاك بدور الجيش في الخلاف السياسي الناشب بين الطرفين. ونظراً إلى دقة الوضع الأمني وحساسيته،
لم يُختر العماد ميشال سليمان مرشّحاً توافقياً لرئاسة الجمهورية إلا لأنه اضطلع بالدور السياسي الذي أتاح لكل من طرفي النزاع أن يطمئن إلى علاقته به. ولم يكن ليحدث ذلك لولا الدور السياسي للمؤسسة العسكرية في ظلّ قائدها. لم تقل قوى 14 آذار، ولا المعارضة، إن القائد السابق للجيش خرج من صفوفها، ولا هي اختارته لمناوأته الفريق الآخر، بل لإدراك الطرفين بأن الرجل قد يكون الأقدر، في مثل هذه المرحلة، على إدارة خلافاتهما السياسية وتجنيب الداخل الانهيار الشامل وفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية.
ويبدو أن «جدول المفاضلة» الذي تحدّث عنه المرّ، في بيان السبت (23 آب)، يشكّل الحيثية الرئيسية لتسمية القائد مع الأخذ في الاعتبار معيار الأقدمية، الأمر الذي فتح لوائح دورات تخرّج الضباط الكبار المرشّحين الموزّعين وفق الجدول الآتي:
ـ دورة 1974: وهي الأقدم الآن، ويجري تداول أسماء ثلاثة عمداء مرشّحين هم: جورج مسعد، أنطوان كريم ونبيل شديد. وهؤلاء مرشّحون بدورهم لإحالتهم على التقاعد بعد ستة أشهر.
ـ دورة 1975: التي تخرّج فيها مدير الاستخبارات العميد جورج خوري، والعمداء: إبراهيم كنعان (الذي سيحال على التقاعد في رأس السنة المقبلة)، مارون خريش، شربل يرق، ميشال المير ومرسال فرحات.
ـ دورة 1976: التي تخرّج فيها قائد اللواء العاشر العميد جان قهوجي (الذي كثر تداول اسمه في الأيام المنصرمة) والعمداء: إدمون فاضل، شارل شيخاني ومروان البيطار.
ليس هؤلاء جميعهم بالتأكيد مرشّحين للقيادة، إلا أنهم يمثّلون «جدول المفاضلة» الذي سيحمل المرّ على اختيار أحدهم للمنصب في ضوء ما كان قد أعلنه، وهو أنه يقتدي بتوجيهات رئيس الجمهورية في وضع «المعايير العسكرية والتقنية». بدورها، هذه تترجّح بين الرتبة الأعلى والأقدمية وبين المواصفات التقنية والإدارية لضابط كبير يقود جيشاً يعيش في مغاطس السياسيين وخلافاتهم، الأمر الذي يؤول إلى حصر المفاضلة باسمين، وعلى الأرجح باسم واحد قبل طرحه على طاولة مجلس الوزراء، استناداً إلى تحديد سنة الدورة التي يكون قد تخرّج فيها العميد الأكثر حظاً لتعيينه القائد الـ12 للجيش اللبناني منذ عام 1945.
ومع أن «جدول المفاضلة» يعكس ظاهراً معياراً تقنياً محضاً ليس تقليدياً في سوابق اختيار القادة المتعاقبين، إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن الأسماء الأكثر تداولاً هي التي يتجاذبها طرفا النزاع، وأخصها اثنان، تواجه جدل السياسيين: تارة يسمّون هذا المرشّح بغية رفض آخر، وطوراً لمعرفتهم بهذا أو ذاك من الضباط الوثيقي الصلة بهم. لكن هذا التجاذب يطرح أكثر من ملاحظة:
أولاها، المأخذ القائل بأنه لم يسبق لمدير للمخابرات أن عُيّن قائداً للجيش. وبحسب بعض المطّلعين، يدافع رئيس الجمهورية عن وجهة النظر هذه. ومع أنه لا سابقة لمثل هذا الانتقال، بيد أنه لا يخالف القانون ولا أنظمة الجيش وقد حيلت الدوافع السياسية دائماً دون تعيين مدير للمخابرات قائداً للجيش. كانت ثمّة محاولة لسابقة أخفقت عندما رغب الرئيس إلياس سركيس في آذار 1977 في تعيين الرئيس السابق للشعبة الثانية العميد غابي لحود قائداً للجيش، فجبهه ـــــ لأسباب مختلفة ومتناقضة ـــــ رفض دمشق والرئيس كميل شمعون وقائد القوات اللبنانية بشير الجميل. فآل المنصب إلى العقيد فيكتور خوري. لكن أكثر من قائد للجيش تطلّع إلى رئاسة الجمهورية منذ العماد إميل بستاني، وأكثر من رئيس للاستخبارات تطلّع إليها أيضاً مذ تذوّق العسكريون للمرة الأولى طعم السياسة عام 1952.
ثانيتها، أن فتح باب فيتوات محتملة على اسم القائد الجديد يدخل المنصب في متاهة تجاذب سياسي تنتقل عدواه إلى مناصب مماثلة بأهميتها في المؤسسات العسكرية والأمنية كالمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي والمديرية العامة للأمن العام، بأن يضع فريق في السلطة يمثّل طائفة فيتو على منصب يخصّ طائفة أخرى. بذلك تدخل تعيينات كهذه في باب مقايضات لمجرّد إخضاعها للتجاذب السياسي.


عدد الثلاثاء ٢٦ آب ٢٠٠٨