انعدام الأمن: أمثلة مرعبة وأسباب مقلقة
جان عزيز
إنه الانكشاف الأمني الكامل، هكذا يصف المطّلعون على خفايا الأمور، حقيقة الوضع الأمني في البلاد. وهي حقيقة يؤكد هؤلاء أن الجميع يعرفها بالتفاصيل، والجميع ينفيها ويتنصّل من المسؤولية حيالها.
ما المقصود بهذا الانكشاف؟ يؤكّد المطلعون بشكل حاسم أن لبنان يعيش اليوم تسيّباً أمنياً مطلقاً، وغياباً كاملاً لأي رعاية للأمن، لا في القضايا المعقدة، بل في الشؤون المتعلقة بحياة أي مواطن لبناني، في أي منطقة من المناطق.
ويشرح هؤلاء: لسنا في صدد الحديث عن المخيمات الفلسطينية، ولا عن مربعات أمنية لقوى سياسية أو حزبية، ولا نقصد حتى انفلات الحدود. ولا تجارة السلاح المستشرية، ولا حوادث السرقة ووتيرة تقارير قوى الأمن الداخلي، كل ذلك في كفة، والانكشاف الأمني المقصود في كفة أخرى.
ولإيضاح وجهة نظرهم، يعطي المطّلعون على «الكارثة الأمنية الواقعة في البلاد، أمثلة مادية واضحة:
مثلاً، طيلة الفترة الماضية، سجّلت سلسلة حوادث اعتداء على أشخاص معروفين، من الوسطين الإعلامي والفني خصوصاً، ومن أوساط أخرى قريبة.
وفي كل مرة، كانت تغزر الشائعات وتنسج الروايات، وتطلق التفسيرات المريبة.
لكن القاسم المشترك بين تلك الاعتداءات، أن المعنيين بها يحجمون دوماً عن التقدم بادّعاء شخصي، ويفضّلون عدم متابعة الملف، ويقنعون بسلامتهم، ويوحون بعدم ممانعتهم إقفال القضية.
هل هذا السلوك اعتراف من الضحايا بمسؤولية ما؟ أم هو حرص على إخفاء جوانب مريبة مرتبطة بما يصيبهم؟ مهما كانت الأسباب، يظلّ المهم في هذه الحوادث، ما يكشفه المطّلعون، عن أن وراء تنفيذها على الأرجح مجموعات محترفة، تبيع خدماتها «التأديبية» لمن يرغب، لقاء بدلات مالية مرتفعة. و«الخدمة» المؤمنة مضمونة السرية والفاعلية، والأهم أنها مضمونة التفلت من أي ملاحقة أو عقوبة، لأن رؤوس تلك المجموعات محمية من جهات قادرة على إعطاء كل الضمانات اللازمة لذلك.
مثلاً أيضاً، في إحدى المدن اللبنانية الكبرى، تعرّض مواطن لبناني للضرب على أيدي عناصر مسلّحة معروفة الهوية، فبادر إلى إثارة قضيته قضائياً وإعلامياً، وتدخل في الموضوع وزراء معنيّون وقادة أمنيون، فردّ المعتدون على إدانة فعلتهم بالاعتداء مجدداً على الضحية. وعند إثارة القضية مرة ثانية، جاء رد المعتدين حاسماً: تهديد بقتل الضحية في حال إثارة الموضوع مجدداً، سكتت الضحية، لكن المفارقة كانت صمت الجهات الأمنية، وتواطؤ بعضها في مراتب عليا ومتقدمة، مع المعتدين.
مثلاً أيضاً، عائلة مقيمة في إحدى المدن اللبنانية الكبرى، تتعرض لتهديدات بالقتل على خلفية ملف قضائي، المهددون معروفون، ومع ذلك لم يجرؤ الضحايا على التحدث في المسألة، ولم تبادر أي جهة أمنية إلى تقديم الحماية، فكان الحل «تهجير» العائلة إلى منطقة أخرى، حفاظاً على حياة أفرادها وسلامتهم الشخصية.
يؤكد المطّلعون أنفسهم أن عشرات أو مئات الأمثلة الأخرى معروفة من المعنيين، وأن مصيرها الوحيد الصمت. لماذا؟ تكفي نظرة سريعة على أوضاع الأجهزة الأمنية اللبنانية، لمعرفة الجواب. مديرية المخابرات في الجيش اللبنانية، انكفأت منذ ثلاثة أعوام إلى حدود صلاحياتها القانونية:
الأمن العسكري والقومي، وكل ما عدا ذلك لا يتعدى جمع معلومات، تظلّ غالباً من دون استثمار، تجنباً للتعقيدات السياسية المعروفة. الأمن العام، يعاني حروبه «الخارجية» وأوضاعه الداخلية الحساسة، منذ «انسلاخه» عن رئاسة الجمهورية، ودخوله انعدام الوزن القائم في البلاد.
جهاز أمن الدولة ملغى عملياً، ويكتفي بالشكليات من استمراره. قوى الأمن الداخلي، وفي صلبها «فرع المعلومات» الشهير، انتهت «إيجابياتها» في 7 أيار، ولم يبق منها غير «سلبيات» العناصر الحزبية التي أدخلت اليها.
هكذا ولد «الكابوس» الأمني المطلق، في ظل رفض المواطنين لأيّ أمن ذاتي، وبين الحقيقتين، بات الوضع مفتوحاً على تعبئة واحدة للفراغ، عنوانها: القلق.






