الانتخابات لا قانون الانتخاب ساحة المواجهة بين الموالاة والمعارضة
نقولا ناصيف
جنّب رئيس المجلس، نبيه برّي، الموالاة والمعارضة، الشريكين المتنافرين في حكومة الوحدة الوطنية، انقساماً حاداً في جلسة البرلمان الثلاثاء، بإحالة اقتراح قانون تقطيع الدوائر الانتخابية على لجنة الإدارة والعدل لإقراره مقروناً بالإصلاحات. بعد أقل من 24 ساعة تلقفت اللجنة المبادرة وأقرت البارحة اقتراح التقسيمات بعدما كانت قد أنجزت قسماً كبيراً من الإصلاحات في انتظار جلسة المجلس في 25 أيلول المقبل، الموعد النهائي للمصادقة على القانون الجديد للانتخاب مكتمل التقسيمات والإصلاحات.
تلاحق الفعل وردّ الفعل، والتجاوب الذي تبادله النواب الموالون والمعارضون حيال مبادرة برّي، لا يعكسان بالضرورة الموقف الفعلي للفريقين من انتخابات ربيع 2009، لا من القانون فحسب، لأسباب أبرزها:
1 ـــــ لا أحد من الموالاة والمعارضة في وارد التخلي عن موافقته على ما مهره عند توقيع اتفاق الدوحة في 21 أيار، وهو القبول بالتقطيع الذي اقترحه للدوائر الانتخابية، وخصوصاً أن الاتفاق على هذا التقطيع كان جزءاً من الثمن السياسي الذي دفعته قوى 14 آذار لإخراج تسوية أعادت تطبيع الوضع الداخلي والاستقرار وإخراج الشارع من المواجهة السياسية. وكان بدوره الثمن السياسي الذي دفعته المعارضة للرضوخ لتوازن قوى جديد لا يمكّنها من السيطرة منفردة على القرار السياسي، وإن كان يُكسبها كفّ استئثار الفريق الآخر بهذا القرار. في ظلّ توازن قوى هشّ، يجد طرفا النزاع في انتخابات 2009 ـــــ لا في إسقاط تسوية الدوحة ـــــ فرصة جديدة لتعديل توازن القوى الحالي.
2 ـــــ أن نواب الطرفين تعاملوا مع الاجتماعات المتلاحقة للجنة الإدارة والعدل بإيجابية لم تكن تعبّر حكماً عن المقاربة الحقيقية لزعمائهم لقانون الانتخاب بتقسيماته وإصلاحاته معاً. وتبعاً لمن راقب مناقشات هؤلاء في اللجنة، لم يرفض أي منهم علناً أياً من الإصلاحات التي سبق أن اقترحتها اللجنة التي ترأسها الوزير السابق فؤاد بطرس. وبدا كل منهم يخوض من خلالها معركة مصالحه الانتخابية، وفي الوقت نفسه الظهور بمظهر المتجرّد المؤيد لإقرار قانون عصري ومتوازن للانتخاب.
3 ـــــ أن الطرفين اللذين رحّبا بإدراج الإصلاحات في متن المشروع، وخصوصاً البندين الأكثر إثارة للجدل لدى تطبيقهما، أي الإنفاق والدعاية الانتخابيين، هما الأكثر تضرّراً من وضعهما موضع التطبيق. فلهما على السواء سمعة سيئة مشهودة في إنفاق المال السخيّ على إدارة العمليات الانتخابية لاجتذاب الناخبين برشوة ظاهرها وباطنها واحد. ولكل منهما تقريباً وسيلة إعلامية مكتوبة أو مسموعة أو مرئية سبق أن استخدمها في انتخابات 1996 و2000 و2005 للتشهير بالفريق الآخر، وتنظيف سلوكه السياسي، والفريقان نفساهما استنفرا المشاعر المذهبية والطائفية واستفزّا الناخبين في أكثر من منطقة وفي أكثر من انتخابات آخرها عام 2005 لتوجيه اتجاهات الناخبين في الصناديق لمصلحتهم. وسيكونان المعنيين مباشرة بتقييد امتيازاتهما هذه عند وضع الإنفاق والدعاية الانتخابيين موضع التنفيذ. وهذا ما يصحّ على الأركان الرئيسيين في المواجهة الانتخابية المقبلة كحركة أمل وحزب الله وتيار المستقبل وحزب الكتائب والقوات اللبنانية، وآخر المنضمين إلى امتلاك تلك الامتيازات التيار الوطني الحرّ صورة وصوتاً. أضف وضع هذه الإمكانات في تصرّف الحلفاء من غير المشاركين في الحكم كتيار المردة. ويكاد يكون النائب وليد جنبلاط وحده لا يملك أياً من الوسائل الإعلامية الثلاث.
4 ـــــ أن إقرار الإصلاحات في قانون الانتخاب لا يشير بالضرورة إلى أن هذه كلها سيصار إلى تطبيقها في انتخابات 2009. بعضها أقرّ فعلاً، كالإنفاق والدعاية الانتخابيين، وبعضها أقرّ مبدئياً كالهيئة المستقلة المنوط بها مراقبة الانتخابات واقتراع غير المقيمين من اللبنانيين، وبعضها الثالث لم يقرّ بعد ويلحّ عليه وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، وهو إجراء انتخابات الدوائر في يوم واحد في كل المناطق اللبنانية. ولكل من هذه عقبات تواجهها. فوزارة الخارجية والمغتربين لم تجب بعد عن إجراءاتها حيال اقتراع غير المقيمين نظراً إلى تقاطع دورها مع وزارة الداخلية حيال هذا الموضوع، وقدرتها على جمع المعلومات والإحصاءات من البعثات اللبنانية في الخارج عن هؤلاء لإدراجها في جداول بأسمهائهم وتمكينهم من المشاركة في التصويت، والمؤسسات العسكرية والأمنية لم تجب بدورها عن القدرات والإمكانات المتوافرة لديها التي تتيح لها الإشراف الأمني على سير العمليات الانتخابية في كل المناطق اللبنانية في يوم واحد. أضف أن خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي كانوا قد أبلغوا بارود في حزيران الماضي، قبل تأليف الحكومة الحالية، اعتقادهم بتعذّر إشراك غير المقيمين في انتخابات الربيع المقبل بسبب ضيق الوقت، ولأن إنجاز الإجراءات والترتيبات المتصلة بهم تستغرق أكثر من سنة. وكانوا قد أبلغوه كذلك، وأبلغوا مسؤولين وشخصيات معنية أخرى بعد الاطلاع على مشروع لجنة بطرس، أن الهيئة المستقلة المكلفة مراقبة الانتخابات تتطلب بدورها وقتاً لم يعد متوافراً لوضع الجهاز موضع التنفيذ. تنطبق الحال أيضاً وأيضاً على إعداد بطاقة الهوية التي ستُستَبدل بالبطاقة الانتخابية بعدما اعتمدت هذه في انتخابات السنوات الأخيرة.






