«الإدارة والعدل»: تأجيل الخلافات لتصفية الإصلاحات

ثائر غندور
«هذا قانون للمريخ لا للبنان»، يقول النائب نقولا فتوش. ويستشهد بإحدى الموظّفات في مجلس النواب لتؤكّد أنه قال هذا الكلام منذ طُرح موضوع الإصلاحات في قانون الانتخابات على لجنة الإدارة والعدل. ربما كان فتوش هو من الأصدق في التعبير عن نيّات النوّاب. جميعهم يقولون في العلن إن الإصلاحات ضروريّة ويجب السير بها، لكن الوقائع تبدو مختلفة. وأمس، أقرّت لجنة الإدارة والعدل 103 مواد من أصل 129 يتضمّنها مشروع قانون الانتخابات.
مرّت التقسيمات الانتخابيّة مثلما جاءت في اتفاق الدوحة، مع تحفّظ النائب بطرس حرب على تقسيمات طرابلس والبترون، لأنه طالب بنقل مقعد طرابلس الماروني إلى دائرة البترون، فتُرك حسم هذا الموضوع إلى الهيئة العامة.
وكان النائب بهيج طبارة قد طلب في بداية الجلسة توزيع نص اتفاق الدوحة، لأن الرئيس نبيه بري كان قد أبلغه أن لا اتفاقات جانبيّة، فطرح إمكان إجراء الانتخابات في الأقضية التي يزيد عدد نوابها على الثلاثة على أساس النسبيّة، لكون اتفاق الدوحة لا ينص على التزام الأكثريّة، وترك الأمر لبتّه في الهيئة العامة بعد أن عجزت اللجنة عن بتّه.
ويقول النائب بطرس حرب أنه يؤيّد اقتراحاً كهذا، لكنّ أحد أعضاء اللجنة يشير إلى أن هذا الاقتراح يُعيدنا إلى النظام المركّب، كما جاء في مشروع لجنة فؤاد بطرس، وهو الذي «رُفض بشدّة من جانب الأكثريّة في الدوحة، ونحن استطعنا إقناع الجنرال ميشال عون والوزير سليمان فرنجية بالسير به، لكننا لا نملك الأكثريّة النيابيّة لإقراره»، كما يقول هذا النائب، ويوافقه زميلان له.
ومرّت الإصلاحات مرور الكرام، كأنها طفلة لقيطة لا يرغب أحد في تبنّيها. ووحده مُقرّر اللجنة النائب نوّار الساحلي صوّت مع اقتراح النائب طبّارة القاضي بحصر البرامج الحواريّة بالتلفزيون الرسمي قبل شهرين من إجراء الانتخابات، ليُستبدل باقتراح النائب حرب «يُحظر على وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة تعاطي الإعلام الانتخابي السياسي، بما فيه البرامج الحواريّة قبل أسبوع من إجراء الانتخابات إلى حين إقفال صناديق الاقتراع»، رغم اقتراح النائب الساحلي توسيع هذه الفترة إلى أسبوعين، واقتراح النائب هادي حبيش بخفضها إلى 24 ساعة فقط. وهكذا يكون ممثّلو وسائل الإعلام الخاصة في لجنة الإدارة والعدل قد حافظوا على مصالح هذه المؤسسات. وعُلم أن رئيس اللجنة النائب روبير غانم سيدعو ممثلي وسائل الإعلام للمشاركة في جلسة اللجنة الإثنين المقبل.
وقد أثار عدد من النواب تخوّفه من الفضائيات الخاصة، «ففي أيّار الفائت، لعبت «العربيّة» دوراً سيّئاً»، يقول أحد النوّاب المعارضين، متسائلاً: من يُحاسب هذه الفضائيات؟
وطرح أحد أعضاء اللجنة على زملائه خفض عدد النواب من 128 إلى 108، كما جاء في اتفاق الطائف، ولم يأخذ هذا الطرح حقّه في النقاش، «لكنّ طرحه سيكون مدخلاً لنقاشه في الهيئة العامة»، يقول حرب.
ويبقى موضوع إجراء الانتخابات في يوم واحد أو يومين، رهن بالقدرات الأمنيّة، لأن الوزير زياد بارود لم يُقدّم بعد دراسته. لكن يبدو أن الأمور تتجه إلى عدم إجراء الانتخابات على أربع مراحل كما في السابق، بل في يومين حدّاً أقصى.
في محصّلة ما نتج من لجنة الإدارة والعدل قبل أيّام قليلة من انتهائها من نقاش مشروع قانون الانتخابات، استطاعت اللجنة القفز فوق جميع الإصلاحات. حتى خفض سن الاقتراع إلى الثامنة عشرة، الذي أعلنت اللجنة أنه بحاجة إلى تعديل دستوري، ما يعني حاجته إلى ثلثي عدد النوّاب، أي إنه أصبح تحت رحمة كتلة نوّاب المستقبل بعد أن أعلن جميع نوّاب المعارضة رغبتهم الحقيقيّة في إقراره، فيما رفضه بالمطلق نواب القوّات اللبنانيّة. فهل يُنقذ المستقبليون هذا الاقتراح؟ أمّا موضوع تحديد الإنفاق الانتخابي، فإن النوّاب الذين أقرّوه يتهكمون عليه: «أستطيع فتح حساب بقيمة عشرة ملايين ليرة، لكن من يمنع حزبي من دفع عشرة ملايين دولار؟ أو من يمنع خالي أو عمّي من أن يدفعا؟ ومن يستطيع حصر الأموال النقدية؟ من يراقب الأموال التي بدأ دفعها من اليوم؟ أسئلة كثيرة يطرحها هؤلاء النوّاب الحزبيون، يُقابلها تخوّف المرشحين المستقلّين من أن تجرفهم الأحزاب، «فإذا أردت أن أنقل ناخباً من بيروت إلى البقاع أحتاج إلى خمسين دولاراً لا إلى 3000 ليرة». هنا يبرز نوع آخر من أنواع الصراع داخل اللجنة: صراع بين الحزبيين والمستقلّين.


عدد الخميس ٢٨ آب ٢٠٠٨