قهوجي قائداً للجيش بين خيارات الرئيس وخيارات الأفرقاء الآخرين
نقولا ناصيف
انتهى تعيين قائد جديد للجيش مساء أمس بحدّ أدنى من الأضرار في ضوء العاصفة السياسية التي كان قد أثارها في الأسبوعين الأخيرين. وخلص تعيين قائد اللواء العاشر العميد جان قهوجي في المنصب إلى بضع ملاحظات، منها:
1 ـــــ تمسّك رئيس الجمهورية ميشال سليمان بهذا التعيين كحق سياسي له هو جزء من أعراف سابقة درج عليها أسلافه، بدا أن إصلاحات اتفاق الطائف قوّضت معظمها. هذا الحق سلّمت له به غالبية مجلس الوزراء بدليل إمرار التعيين بما يزيد على نصاب الثلثين الذي يقتضيه. وكرّس ذلك تالياً الامتياز التقليدي المعطى لرئيس الجمهورية بتسميته قائد الجيش للمرة الأولى بعد اتفاق الطائف، إذ جعل مجلس الوزراء يقاسم رئيس الجمهورية في بعض صلاحياته. وللمرة الأولى يعيّن قائد للجيش من دون تأثير سوري مباشر على هذا التعيين كان قد بلغ حدّ الفرض في حالتي العماد إميل لحود (1989) والعماد سليمان (1998). أقرّ الوزراء للرئيس بهذا الامتياز من غير أن يخلو تجاوبهم هذا من دوافع ترتبط بمواقفه السياسية من هذا الاستحقاق. بعضهم أيّد رئيس الجمهورية انسجاماً مع استمرار عُرْف لا يتناقض مع أي نصّ قانوني ما دام ينتهي إلى تصويت الثلثين، والبعض الآخر تصرّف بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه، والبعض الثالث رفض مرشّحاً آخر. عكست ذلك المواقف المتعارضة للزعماء: النائب سعد الحريري يريد قهوجي الذي يعارض تعيينه النائب وليد جنبلاط ويفضّل عليه مدير الاستخبارات العميد جورج خوري لأسباب منها ما يتصل بعلاقته الوثيقة به وتعاونه وإياه، ومنها ما يتصل بقهوجي بالذات، والرئيس ميشال عون لا يؤيد خوري من غير أن يكون قهوجي مرشّحه المفضّل إلا أنه يوافق على الأول إذا رغب إليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في دعم تعيينه.
بذلك تتقاطع مصالح هؤلاء الأفرقاء من هذا التعيين أو تتعارض من غير أن تتحوّل مشكلة مع رئيس الجمهورية أو أزمة داخل الجيش، أو حتى في ما بينهم داخل الحكومة. وكان سليمان قد نجح في إبقائها أزمة صامتة مذ انتخابه رئيساً، وانتهى معها إلى حيث يريد أن يكون عليه كل قائد للجيش يصبح رئيساً للدولة، وهو أن يأتي بخلف له على رأس المؤسسة العسكرية لا يصير مصدر إقلاق أو يبدو بحسب دوره السابق أوسع اطلاعاً أو تتولّد لديه بمرور الوقت تطلعات سياسية وهو يقود جيشاً بات مسيّساً وفي خضم النزاع السياسي.
في واقع الأمر ما شاءه الرئيس في الأيام الأخيرة لم يكن ما طبع دوره وتصرّفه عندما كان قائداً. يصحّ عليه ذلك مع السلطة السياسية قبل انتخابه كما صحّ قبلاً مع لحود قبل انتخابه رئيساً أيضاً.
2 ـــــ رغم أن هذا التعيين لم يرضِ البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير الذي سبق أن أبلغ إلى سليمان أكثر من مرة تزكيته خوري للمنصب، فإن تعيين قهوجي أفضى أيضاً إلى استرضاء سيد بكركي. وبحسب جهات واسعة الاطّلاع فإن خوري مرشّح لأن يعيّن سفيراً للبنان لدى الفاتيكان من خارج الملاك للحلول محل السفير الحالي ناجي أبي عاصي الذي عيّنه مجلس الوزراء ليل أمس مديراً عاماً لرئاسة الجمهورية. يتطابق هذا التعيين مع أكثر من سابقة أتاحت انتقال مسؤولين أمنيين إلى مناصب دبلوماسية كالمدير السابق للاستخبارات العقيد جوني عبده بتعيينه سفيراً في سويسرا (1983)، والمدير العام السابق للأمن العام الأمير فاروق أبي اللمع بتعيينه سفيراً في باريس السنة ذاتها، وفي الأمس القريب المدير العام السابق للأمن العام فريد روفايل بتعيينه سفيراً في تونس (2000).
3 ـــــ مع أن الرئيس هو المعني الأول بتعيين قائد للجيش، فإن ثمّة معنياً آخر بحكم الأمر الواقع هو حزب الله الذي كان له موقفه من الأمر، ولم يكن يسَع سليمان تجاوزه في أي حال نظراً إلى العلاقة المباشرة على الأرض بين الجيش وسلاح الحزب، التي تقضي باستمرار التنسيق بينهما تفادياً لأي صدام يحتّمه منطق تنافس آلتين عسكريتين على أرض واحدة لا تتمتعان بالشرعية القانونية نفسها. وهذا ما أبرزه إطلاق النار على الطوافة العسكرية الخميس. كان الرئيس قد استمزج حزب الله رأيه في تسمية قهوجي لقيادة الجيش، فلم يلقَ اعتراضاً وإن يكن الحزب قد سمّى في مرحلة سابقة مدير الاستخبارات الذي أدار معه في السنوات الثلاث المنصرمة علاقة تعاون أمني وتبادل جدّي وفاعل للمعلومات. واستند الحزب في تأييده قهوجي وفق ما أبلغه إلى الرئيس إلى عاملين: أولهما أنه سبق له أن عرف قهوجي عندما كان قائداً لقطاع الجنوب أربع سنوات ولم يعترض علاقتهما حادث أو التباس، وثانيهما أنه يفضّل عدم تحمّل وزر دعم تعيين قائد للجيش لئلا يمثّل عبئاً عليه في مرحلة لاحقة ربما صادفت صعوبات ومشكلات.
4 ـــــ أن حسم الخلاف على تعيين القائد سيشقّ الطريق في الأيام القليلة المقبلة أمام تعيين مدير جديد للاستخبارات يبدو أن المنصب استقرّ على رئيس فرع الاستخبارات في جبل لبنان العميد جوزف نجيم، بعدما كانت قد تساوت الحظوظ بينه والعميد ألبر كرم. وشأن سلفيه في هذا الفرع العميدين ريمون عازار وجورج خوري، يدير نجيم شبكة علاقات سياسية متينة. وتردّد أنه يضطلع بخط اتصال غير مباشر بين نائب الحزب التقدّمي الاشتراكي أكرم شهيب ومسؤول لجنة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا.






