طرابلس بين مفتيين وسفيرين

جان عزيز
في سيرته الذاتية والإنتروبولوجية الرقيقة، حول مدينة طرابلس وأهلها، يروي خالد زيادة في «حارات الأهل، جادات اللهو»، أن الكنيسة الأقدم في «حي النصارى» في عاصمة الشمال، التي تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر، جرى بناؤها عن طريق الاستبدال، في ذلك الزمان، أي إن مسجداً قام بقربها حيث بُنيت أولاً، فألحقت به. ولما شيّدت في مكان آخر، «سعى أحد الولاة إلى بناء جامع في أرض مجاورة، ولكن المفتي آنذاك منعه من إتمام البناء، لأن الأرض التي يشيّد عليها مغتصبة، فبقي الجامع بدون مئذنة ودون وظيفة».
في ذلك الزمان، زمن قرار المفتي منع بناء مسجد في طرابلس، كانت المدينة تحتضن ثلاثة أحياء مسيحية كبرى: «حارة النصارى» في المدينة القديمة، حي الأرثوذكس في الميناء و«حارة السيدة» عند الجهة الشرقية من نهر أبو علي، عند سفح الهضبة المطلّة على طرابلس. وكانت «قلعة المسلمين» المستحدثة أخيراً، تعج بعشرات المقامات المسيحية، حتى إن أحد أبرز شوارعها سُمّي «شارع الكنائس». فكانت طرابلس تتسع لمطرانية الأرثوذكس وكاتدرائيتهم وكنيسة أرثوذكسية أخرى على بُعد خطوات من الكاتدرائية، إضافة إلى كنيسة السريان في ساحة «الحارة» وكنيسة الموارنة القرميدية الحمراء، ومطرانية الكاثوليك وكنيستهم، وكنيسة الأرمن في «شارع جبران».
كما كانت طرابلس تشتهر بمدارسها المسيحية الإرسالية: الفرير، الطليان، الكبوشيون وكنيسة الفرنسيسكان، الكرمليون، راهبات المحبة، المعهد الأهلي الأرثوذكسي، مدارس «الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية»، وغيرها العشرات من المؤسسات المسيحية، حتى إن الانتشار المسيحي في طرابلس سمح بتشييد بطريركية الأرثوذكس على مشارف هضبة محاذية للنهر... في ذلك الزمان، منع المفتي والياً من تشييد جامع.
على مدى ثلاثة عقود تغيّر المشهد الطرابلسي. ولتجنّب عرض ما آلت إليه جغرافياً المقامات المسيحية، يكفي القياس إلى لوائح القيد الانتخابي: أكثر من 130 ألف ناخب سني ونحو ألف و500 ناخب ماروني، إلى جانب أقل من عشرة آلاف أرثوذكسي. وفي ظل هذا المشهد الجديد، وقف مفتي طرابلس قبل أيام ليبلغ سفير العائلة السعودية الوهابية أن «جماعته» في المدينة لا تواجه معركة إنمائية، بل معركة «مقاومة وجود»، «وجود أهل السنّة المهدّد بالأفول»، كما قال.
كلام المفتي الحاليّ مقارنة بمفتي سيرة خالد زيادة، يستعيد مناسبة طرابلسية وموقفاً عمرهما أكثر من عقد. ذات يوم، كان وزير سابق ممثلاً لمرجع كبير في ذكرى سنوية في المدينة، وكان النصاب السياسي والروحي للعاصمة الثانية مكتملاً بالإجماع. بعد انتهاء الاحتفال، وكالعادة اللبنانية، حرص المشاركون الطرابلسيون على تحميل الوزير سلسلة لا تنتهي من المطالب الإنمائية للمدينة، قال زعيم كبير: «يجب أن تدركوا أن طرابلس تختنق إنمائياً»، فأجابه الوزير غير المسيحي: «طرابلس اختنقت فعلاً، يوم انقطعت عن محيطها غير المسلم، ويوم غادرتها 600 عائلة زغرتاوية، ويوم أقفلت أبوابها على نفسها».
لا عنصرية قطعاً في هذا الكلام، وحتماً لا رائحة فوقية فيه، على طريقة التخرّصات التي ارتكبها بعض المسيحيين في بعض حقب الحرب، وفي الأزمنة التي أدّت إليها. كل ما في هذه الصورة أن «الآخر» هو وحده هواء الحياة. في الفكر والعيش، وحتى الخبز والماء. فكيف إذا كان غيابه، غياب أي «آخر» كان، يجري لمصلحة ظلامية قرونسطية، لا تنسجم إلا مع ذاتها، ولا تتناقض إلا مع كل مسارات التاريخ!
إنها نقلة بسيطة عابرة، لم تطرقها المواقف الدولية بشأن خطورة الوضع الطرابلسي، ولم يشر إليها وزير الخارجية المصرية في تحذيره الأخير من الزلزال المتحرك على ضفاف أبو علي.
وللمناسبة، خالد زيادة، صاحب الثلاثية المذكورة في سيرة طرابلس، صار سفيراً في القاهرة، علّه يهدي كتبه إلى وزيرها، وعلّ الأخير يلفت نظر السفير السعودي إلى عبرها، ولو في استراحة صلاة الجمعة في السرايا الحكومية...


عدد السبت ٣٠ آب ٢٠٠٨