فنون سرقة الكهرباء: «نيران صديقة»

راجانا حمية
(هيثم الموسوي)(هيثم الموسوي)استيقظ، فلنقل... «زاهي القادري»، وهو اسم مستعار، على غير عادته ذاك الصباح. صحا الرجل من نومه مذعوراً على وقع انفجار. للوهلة الأولى، خاف الرجل من أن تكون الحوادث الأمنيّة قد عاودت نشاطها هنا، في ضاحية بيروت الجنوبيّة. لكن صراخ زوجته في الغرفة المجاورة، جعله يوقن بأنّ الانفجار لا محالة «بيتي». هرع القادري إلى مكان الانفجار، ففوجئ بشظايا زجاج الثريّا منثورةً على الأرض. وبعد أخذٍ وردّ، و«رشوة 20 دولاراً» لأحد عمّال الصيانة ليتفضّل بالدخول والمعاينة، عرف السبب فبطل العجب: «علّق الجيران سلكين معدنيّين بحجم 6 ملم لكل منهما على ساعة الكهرباء، ولقد ضغطت أسلاك الجيران، التي لم أكن أعرف بها بالطبع، على التمديدات الداخليّة في المنزل، فانفجرت».
حينها، أي منذ ستة أشهر، صُدم الرجل بما حصل. لكنه اليوم، يبدو غير مبالٍ. فمنذ الانفجار الأوّل، حصلت ثلاثة انفجارات أخرى في الغرفة نفسها، وللسبب عينه. أي «نيران صديقة».
غير أنّ ما يُواجهه «القادري» من «سرقة» عدّاده ليس جديداً. فأصحاب عدّادات الكهرباء أنفسهم، كالقادري، يعمدون أغلب الأوقات إلى مدّ خطّين: «خطّ شرعي» من ساعة الجيران، و«خطّ سرقة» من المحوّل الأساسي للحيّ «لأنّهم مضطرّون في هذا الطقس الحار لتشغيل المكيّف، وغير قادرين على اشتراك المولّد»، كما يبرّر بلال العاكوم، وهو اسم آخر مستعار في المنطقة ذاتها. بات «العاكوم خبير سرقة الساعات» في المنطقة، حسب ناطور البناية، مالك أسرار سرقة العدادات في الحي، يستعين به السكّان لمدّ الأسلاك من عند جيرانهم إلى منازلهم.
«الخبير»، كما يناديه سكّان أحد أحياء حيّ السلّم، لا يعمل مجاناً. لكن أجره قد يكون من صنف «خدمة نفسه بنفسه». هكذا، يسحب خطّاً ممن قام بالسرقة لمصلحتهم للتّو، ويبيعه إلى أحد الجيران. غير أنّ هذه التقنيّة لم تعد حكراً عليه، فقد تبنّاها بعض سكّان الأحياء المجاورة، مثل «عين الدلبة» فسرقوا من ... محوّل الحي الشرعي. وقبل أن «يشهد» منظر الأسلاك الكهربائيّة الموصولة بعشوائيّة بين غرف المباني على «الاستعارة، فضحت حادثة الانفجار الأخيرة التي ضربت الشبكة الرئيسيّة للمحوّل، المشهد العام بعدما سئم السكّان من كثرة «تكّ» المحوّل، فعمدوا إلى «سند» الزرّ بعصا خشبيّة. المفاجأة كانت أن الحيّ تنعّم ثلاثة أيّام بكهرباء متواصلة، انفجر بعدها المحوّل، ليخيّم الظلام ثلاثة أيّام متتالية. لذا، خفّف بعض السكّان الضغط عن المحوّل، فنقل هؤلاء خطوطهم إلى محوّل الحيّ المجاور. والواقع أنّ هؤلاء، ومنهم أبو أحمد، لم يكن همّهم المحوّل، فما يحتاجون إليه «تيار 24 على 24». أمّا من لم يعد قادراً على السرقة لوصول الدولة إليهم، فقد عمد بعضهم إلى التحايل على «الساعة» نفسها و«لغمها» ببرغي يوقف دوران العدّاد. وتقول أم عباس: «كنّا عايشين على أعصابنا خوفاً من اكتشاف التعليق، لذلك... لغمنا الساعة!».


عدد الثلاثاء ٢ أيلول ٢٠٠٨