السعوديّة في لبنان: الحدّ من الخسائر عبر الهجوم (1/3)

النائب سعد الحريري ورئيس المخابرات السعودية مقرن بن عبد العزيز (أرشيف)النائب سعد الحريري ورئيس المخابرات السعودية مقرن بن عبد العزيز (أرشيف)تدخل مصر على لبنان تحت عنوان «كبح الجماح»، بينما تواصل السعودية من ناحيتها سياستها في لبنان، وخاصة بعد معارك السابع من أيار الماضي، تحت مسمى «وقف الخسارة». إلا أن المملكة اختارت في سياستها اللبنانية الهجوم بصفته أفضل وسيلة للدفاع

فداء عيتاني
أرسلت السعودية شبكة واسعة من المندوبين وأقامت عشرات الاتصالات. التقت كل أطراف السنّة، وهاتف أمراؤها العديد منهم. زارت أشد الأخصام لآل الحريري، دعتهم إلى زيارة أراضيها المقدّسة، والاعتمار في رمضان. من لم يتمكن من زيارتها في رمضان رحّبت به قبل الشهر الفضيل، أو بعده، لا فرق. المهم أن تتمكن من إقامة الجسور.
في الأسماء من كان إلى الأمس القريب يتعرّض لهجوم مباشر من آل الحريري، الممثل الحصري والوحيد للمملكة العربية السعودية، ومن الأسماء من لا يزال يتعرض لأشنع الهجمات من أنصار تيار المستقبل ونوابه، إلا أن الرياض وأمراءها ومديري سياستها لم يتوقفوا عند شكليات كهذه، وهم يعلمون أن فتح أقنية الاتصال الجديدة سيثير ردود فعل غاضبة لدى الذين كانوا إلى الأمس معتمدي القبض والدفع والواسطة الوحيدة بين المملكة «فاعلة الخير» وطالبي الإحسان من شخصيات وجمعيات لبنانية، كذلك فإن فتح الخيارات في الاتصال السياسي ودعم أطراف سنية واسعة يعني أن المعركة المقبلة ستشهد صراعاً حاداً على مقاعد محدودة في المجلس النيابي المقبل.
وفي كل ما تجمّع من معلومات مستقاة من مجموعة من السياسيين والدبلوماسيين العرب، وعلماء الدين المنتشرين في كل البلاد، فإن أحد الاتصالات جرى مع رئيس حكومة سابق، ووضع في إطار المساعدة دون قيد أو شرط، مع تلميحات بأن المملكة ترغب في توافق سياسي خلال الانتخابات يشمل خاصة أقطاب السنّة، في إشارة إلى رغبة في توحيد المجموعات السنية المختلفة، واضعة بذلك الحريري الشاب سعد الدين في موضع صعب. كما جرى اتصال بين أحد علماء الدين في السعودية والداعية المعارض فتحي يكن رئيس جبهة العمل الإسلامي، وقيل له كلام يؤيد الدعوة الدينية التي يقوم بها، ودعي لزيارة السفارة السعودية، وكما يروي أحد المحيطين بالرجل فقد رفض الزيارة، فتلقى زيارة من أحد الوسطاء، وسمع الوسيط كلاماً صريحاً منه، بأن توجّه السعودية العام غير مريح، وأن تسليم تيار المستقبل كل مفاصل اللعبة السياسية سيؤدي الى كارثة، وان التطورات في الملف السني (خاصة في الشمال) ستفضي هي الأخرى الى كارثة.
لم تتوقف السعودية عن دعوة يكن لزيارتها، وكذلك عبد الرحيم مراد، الذي سأله بعض من في المعارضة عن موقفه وما سمعه، فانطلق مراد بالإجابة ودون مواربة: «إذا رأيتموني جالساً مع غولدا مئير فاعلموا أنني أحاول إقناعها بالقومية العربية ولا شيء آخر».
الرئيس عمر كرامي أيضاً تلقى اتصالاً، وغيره الكثير، ولكن أحد الأقطاب السنّة الذين لم يتلقوا اتصالاً من رجال الممكلة سخر من الاتصالات، «هم يعلمون أنني لست من هواة الشنطة، فلا ضرورة للمحاولة» يقول الرجل وهو يحدثك في سيارته التي تتجول في شوارع بيروت.
حين تسأل أكثر عما تسعى إليه السعودية، لماذا الخروج عن الحصرية المعطاة لسعد وراثة بعدما كانت ملك يمين رفيق الحريري؟ من هو الذي قرر انتزاع هذه الحصرية من الشاب؟ الكل يقول إن فشل الشاب وتياره في معارك بيروت حسم الأمور باتجاه فك الحصرية عن الشارع السني، وحصرية التمثيل السعودي في لبنان من أيدي تيار المستقبل، الذي أعطي ما لم يعطَ لأحد في لبنان. أضف أن واقع الصراعات السعودية الداخلية حالياً، وتعدد الأجنحة في المملكة ساهم في تفكيك سيطرة المستقبل والتوجه نحو تعديد التمثيل وتوزيع المصالح.
كان لتيار المستقبل، ولآل الحريري إلى زمن قريب، نفوذ محلي لا يقاس. امتلكوا فئة من السياسيين التي تمثل عملياً كل الطوائف، ولكن مرجعيتها سنّية في المقام الأول. حصلوا على رئاسة الوزراء لأغلب الأعوام التي تلت الحرب الأهلية. راكموا نفوذاً شعبياً على خلفية مقتل رفيق الحريري والعداء لسوريا، ولكن كل ذلك أهدر خلال أعوام قليلة، وخسروا أيضاً أقنية اتصال واسعة بناها الحريري الأب مع كل من سوريا وإيران، إضافة الى شبكة العلاقات الدولية، وكل ذلك أهدر وذهب هباءً.
خلال المراحل الماضية، وطوال عقود حكم رفيق الحريري، كان ثمة شخصية مركزية تحكم، هي شخصه، ويحيط بها مجموعة من الشخصيات الثانوية الهامشية، كنواب ومستشارين وملحقين وموظفين، حصتهم الكثير من الفوائد والقليل من النفوذ. وكان تيار المستقبل فكرة موضوعة قيد البحث، يمكن الاستفادة منها على مستوى شبابي، ولكن ليس على المستوى الحزبي، فالحريري الأب كان من الماقتين للحزبية والهرميات التنظيمية، والأفكار السياسية المضبوطة الإيقاع.
بعد مقتل الحريري، صار كل من نواب تيار المستقبل يسعى الى تكوين حالته الخاصة. فشل التيار في لعب الدور الذي كان يلعبه الأب: الصعود منفرداً في لائحة مكتملة في بيروت عام 2000، وهو ينازع جزءاً من المخابرات السورية، ومعه جزء من المخابرات نفسها، ولكن تيار المستقبل عام 2000 تشتت دون قائد ولا رأس. كان دائماً يتم ترداد أن الشاب سعد لا يزال يتعلم، إلا أن الأعوام التي مرت برهنت للمملكة الراعية أن الشاب لم يتعلم الكثير، وإن تعلم لم يتعلم بالسرعة الكافية، وبينما يقول أحد الأقطاب النيابيين الذين راقبوا رفيق الحريري من لحظة وصوله الى السلطة، إن رفيق تعلم بسرعة وتعلم بعمق، فإن الشيء نفسه لا يمكن ذكره عن سعد الدين.
تشظّى تيار المستقبل بين مراكز نفوذ، ووحده قليل الخبرة يمكن أن يصدق أن التيار أعاد هيكلة نفسه ما بين قيادة سليم دياب، وقيادة حسن السبع، فمن يعرف التيار يعرف أن حسن السبع محسوب من حصة سليم دياب، وبالتالي يشبه الأمر تولي فلاديمير بوتين رئاسة مجلس الوزراء الروسي وتخليه عن رئاسة الجمهورية لأحد رجاله.
فما الذي حضّره تيار المستقبل للانتخابات المقبلة، وهو قد حصد كل المساعدات المالية والمعنوية (على ندرتها) التي قدمتها السعودية؟ وما الذي جناه أقطاب التيار بعدما أصبح كل منهم يحكم جزءاً من تيار متفسخ لا توحده إلا شعارات العداء التي أدت في النهاية الى انفجار الوضع في وجه التيار نفسه، فوجد نوابه وكوادره أنفسهم محاصرين؟
لا شيء يمكن أن يقنع المملكة بأن تيار الحريري يمكنه تمثيل مصالحها في لبنان بقوة بعد الآن، وهي تخوض صراعاً على مستويات عدة، فضلاً عن الصراعات الداخلية. فهي اليوم تقف في وجه فشل مشاريعها الصغيرة. في باكستان طار الجنرال برويز مشرف، الذي كلفت رئيس مخابراتها الأمير مقرن بن عبد العزيز زيارته في التاسع من أيلول 2007، يرافقه سعد الحريري، والذي يشاهد اليوم ولا شك مصير مشرف. وليس وحده الملف الباكستاني ما فشلت فيه المملكة، التي لم يبق لها غير لبنان بلداً يمكن سياستها أن تعمل فيه وفق الحد من الخسائر، إلا أن المملكة اختارت الهجوم وسيلة للدفاع.



العطف المسحوب

لم تتوقف يوماً المملكة العربية السعودية عن التحرك السياسي في لبنان. لطالما كان لها فيه مصالح سياسية، ولم تنقطع صلاتها بالأطراف اللبنانيين، وفيما كانت تفترض القوى «التقدمية» في بيروت أن المملكة تقف الى جانب ياسر عرفات ضد من يتحدثون بلسان عنصري عن «الحفاة وراكبي الجمال» من الانعزاليين في البلاد، كانت المملكة تخطب ود بشير الجميل، وتستقبله، ثم تستقبل أمين الجميل، وتسمح بانتشار مجلة «المسيرة» الناظقة باسم القوات اللبنانية خلال الحرب الأهلية، وبعد الحرب تقاسمت السعودية مع سوريا، الرابح الأكبر في لبنان، بعضاً من الملف: أخذت السعودية السنّة، من الناحية المالية والاقتصادية، وأعطت حصرية المال والسياسة والنفوذ السني لرفيق الحريري، وسحبتها من مئات الجمعيات والشخصيات، وتركت للحريري حرية التوزيع والتقديم، مطمئنة بذلك سوريا من ناحية، وصانعة نفوذاً استثنائياً لرفيق الحريري، ولاعبة دوراً واضحاً في الحفاظ على ما لها في بلاد الأرز والطوائف.


عدد الثلاثاء ٢ أيلول ٢٠٠٨