النسبيّة: الكلمة السحريّة التي تُبْدل الشتائم بكلام وطني

ثائر غندور
يجلس أحد رجال السنّة المعارضين بمنزله في قلب بيروت، يشرح أسباب الاختلاف في مواقف رجال المعارضة السنيّة. «لقد دخلنا مرحلة الحسابات النيابيّة، ولكل واحد خصوصيّته في منطقته وطريقته في استمالة الجمهور». يتقاطع كلام السياسي مع كلام أبرز الذين شاركوا في صياغة اتفاق الطائف.
يقول الرجل إن ما شهدناه وسمعناه في جلسات الثقة والتشريع من كلام تحريضي تعبوي، له عنوان واحد هو الانتخابات النيابيّة. وفي معادلة بسيطة جداً، فإن تغيير هذا الخطاب الذي أعلن الجميع قرفه من تدنيه، لا بد من أن يحدث تغييراً ما في المكونات. في ما يخصّ النواب لا يُمكن تغييرهم، لأنهم منتخبون، وإن كان البعض يرى هذا المجلس غير شرعي. يبقى قانون الانتخاب، بما أن حديثهم سببه الانتخابات. ولكن التقسيمات التي اصطلح على تسميتها تقسيمات الدوحة، قد أُقرت بعد «ميني» مؤتمر وطني، وبالتالي لا يُمكن تغييرها، وإن كانت تُعدّ تجاوزاً لاتفاق الطائف الذي نصّ على اعتماد المحافظة. وبالتالي، يُمكن الولوج من الثغرة التي تركها اتفاق الدوحة، وهي طريقة الانتخاب: أكثري أم نسبي.
في رأي الرجل أنه إذا اعتمد النظام النسبي، فإن هذه الخطابات الطائفيّة تتحوّل جميعها بسحر ساحر إلى خطابات وطنيّة، بسبب تنوّع الجمهور. ويُضيف أن هذه ستكون الوسيلة المثلى لضبط الإعلام أيضاً، لأنه يتأثّر بالخطاب السياسي. يقول إن معركة النسبيّة لم تنتهِ بعد، بل هي بدأت للتو، وعلى الجميع توحيد الجهود في سبيلها.
أما الطبقة السياسيّة، فقد تحوّلت إلى جماعات يخاف بعضها من بعض، وبالتالي هي بحاجة للحماية. هذا ما يدفعها إلى القيام بأي شيء في سبيل هذه الحماية، «لأن الكائن البشري يحتاج إلى الحماية مذ يولد، ويراها في أمه ثم في والديه، فعائلته الصغرى فالكبرى، ولاحقاً في أهل قريته وطائفته ثم بلده. ولكن للأسف فإن مفهوم الحماية هذه الفترة يتوقّف عند الطائفة».
ويسأل عن عدد اللبنانيين الذين تضم مكتبتهم الدستور اللبناني ليراه أولادهم. فالحقوق القانونيّة والواجبات يتعلّمها الإنسان منذ الطفولة وليس عندما يشبّ، ويجب أن تكون جزءاً من تنشئته. فأكثر ما يُميّز الدستور اللبناني ولبنان هو تقديسهما للحريّات في محيط عربي وإسلامي وشرق أوسطي يجتاحه القمع.
ومن ناحيته يتحدّث السياسي السني عن ضرورة جمع السنّة المعارضين لتيّار المستقبل لأن تاريخ هؤلاء هو مع المقاومة. هذا كلام قديم، وقيل كثيراً في السابق. وخلافات هؤلاء الزعماء المناطقيين لا تزال على حالها. وصراعاتهم مع تيّار المستقبل كذلك. ولا يزال النائب أسامة سعد يرفض الدخول في أي لقاء ذي طابع مذهبي. لا يُريد أن يتجاوز تاريخ تنظيمه الناصري ـــ العائلي.
الأمر نفسه ينطبق على الرجل الذي شارك في صياغة اتفاق الطائف. وهو لا ينطلق من الحفاظ على تاريخ عائلةٍ ما، بل من قناعةٍ أثبتتها التجربة وكفلها الدستور، وهي أن الدولة المدنيّة هي السبيل الوحيد القادر على تأمين مصالح اللبنانيين، وبالتالي مصالح الطوائف أيضاً.
من يراقب مجلس النواب يرَ الفوارق الشاسعة بين أعضاء الطاقم السياسي في إدارة العمل. فرئيس المجلس نبيه بري يتبنى النسبيّة، كذلك كتلة الوفاء للمقاومة، وعدد من النواب المستقلين، ولكن وحده بهيج طبّارة يخوض هذه المعركة في مجلس النواب. وقد تكون الأكثريّة النيابيّة معارضة للنسبيّة، ولكن من واجب الذي يؤمن بها خياراً لإنقاذ البلد أن يُناضل في سبيلها، لا أن يقول إنه في انتظار التوافق «لأن المقاومين لم ينتظروا التوافق ليحرّروا الأرض» يقول أحد السياسيين المتابعين لموضوع النسبيّة.
من المفيد إعادة قراءة ما قاله الرئيس حسين الحسيني في كلمة استقالته: «لدينا وطن، وفي خضمّ الأحداث، المحافظة على وطن ليست بالشيء القليل على الإطلاق... فما السبب في عجزنا، بعد كلّ هذه التجارب (الماضية)، عن الاتّفاق على قانون انتخابٍ صالحٍ، ووفقاً لأحكام وثيقة الوفاق الوطني والدستور؟ ومن السهل، بل من الحقيقة، أن نقول إنّها مسؤوليّة الطبقة السياسيّة. لكنّني أجد نفسي مجبراً على القول الصريح: إنّها مسؤوليّة الطبقة الماليّة المتحكّمة والطبقة الثقافيّة المعطّلة».


عدد الاربعاء ٣ أيلول ٢٠٠٨