في غياب الكبار... البندقيّة تستعيد شبابها

الـ «موسترا» العريقة ضحيّة المنافسة العالميّة؟

جون مالكوفيتش في مشهد من «يُحرق بعد القراءة» للأخوين كوينجون مالكوفيتش في مشهد من «يُحرق بعد القراءة» للأخوين كوينالأخَوان كوين افتتحا الدورة الخامسة والستين من أقدم مهرجانات السينما العالميّة. لكنّ غياب هوليوود، وكبار السينما الأوروبية من كين لوتش إلى ألمودوفار، دفع بالجزيرة الإيطاليّة الشهيرة إلى المراهنة على الأسماء المجهولة، فيما أفردت مكانة خاصة للسينما اليابانية والإيطالية

البندقية ــــ عثمان تزغارت
يراهن «مهرجان البندقية السينمائي الدولي» (فينيسيا) في دورته الخامسة والستين التي افتُتحت الأربعاء الماضي وتستمرّ فعّالياتها حتى 6 أيلول (سبتمبر) الحالي، على التجديد والمغامرة هادياً دورته الى المخرج المصري الراحل يوسف شاهين. فالمنسّق الفني للـ«موسترا» ماركو مولر الذي يرأس إدارة المهرجان للسنة الخامسة (راجع الصفحة المقابلة) أراد ضخ المهرجان بدماء جديدة من خلال فتح المسابقة الرسمية أمام أربع تجارب سينمائية لم يسبق لأصحابها أن أطلّوا في أيّ من المهرجانات الدولية الكبرى، أي تحديداً «كان» و«برلين» و«تورنتو».
في مقدمة هؤلاء، المكسيكي غيليرمو آرياجا الذي قدّم أول من أمس «السهل المحروق» عمله الأول كمخرج، بعدما اشتهر ككاتب سيناريو إلى جانب مواطنه أليخاندرو غونزاليس إناريتو، في رائعتيه «بابل» و«21 غراماً». ومن هؤلاء الوافدين الجدد أيضاً الذين يتنافسون هذا العام على «الأسد الذهبي»، التركي سميح كابلانوغلو الذي سيقدّم فيلمه الأول Süt، والفرنسيان باتريك ماريو برنار وبيار تريفيدتش اللّذان سيقدّمان فيلماً بعنوان «الآخر»، والجزائري طارق تيغيا الذي سيدخل السباق بفيلمه الثاني «قَبْلة» (أو الوطن القَبْلي)، بعدما كان قد لفت الأنظار في العام الماضي بباكورته الواعدة «روما ولا أنتوما» (أي روما خير منكم ــــ راجع الصفحة المقابلة).
هل كان هذا التوجه التجديدي خياراً متعمّداً، كما يؤكد المنسّق الفني للمهرجان؟ أم هل التَفتت الـ «موسترا» نحو تلك التجارب السينمائية الناشئة، لأنّها وجدت نفسها أمام المأزق ذاته الذي واجهه القائمون على مهرجان «كان» في الربيع الماضي؟ إذ إنّ أعمال أبرز السينمائيين الأوروبيين الذين يمثّلون عادةً ملح المهرجانات الكبرى، لم تكتمل بعد. فجميع هؤلاء ــــ من كين لوتش إلى بيدرو ألمودوفار، مروراً بناني موريتي ولارس فون تراير وآكي كوريسماكي ــــ ما زالت أعمالهم الجديدة في طور الكتابة أو في أوّل التصوير. (هل ستتجه هذه الأفلام جميعها إلى مهرجان برلين؟ أم هل يكون لـ«كان» المقبل نصيب منها؟).
ويُذكر أن رئيس مهرجان «كان»، جيل جاكوب، كان قد اعترف في خضمّ الجدل الذي تلا الإعلان عن برنامج مهرجانه، في أيار (مايو) الماضي، بالمصاعب الكبيرة التي واجهها فريقه لاستكمال برنامج «كان ــــ 2008»، في ظل تزامن غياب هؤلاء الخمسة الأوروبيين الكبار، ما دفع بهم إلى إفساح المجال أمام عدد غير مسبوق من التجارب السينمائية الجديدة. وهو الرهان الذي تبين في ختام المهرجان أنّه كان صائباً وموفّقاً، بالنظر إلى ثراء دورة «كان» الأخيرة وتميّزها.
وها هو ماركو مولر ينحى بالـ «موسترا» المنحى التجديدي ذاته. وتؤشر عروض الأسبوع الأول من المهرجان إلى أنّ هذا الخيار لن يكون أقل نجاحاً من «كان». لكنّ الدورة الخامسة والستين من «البندقيّة/ فينيسيا» التي افتُتحت بفيلم الأخوين كوين «يحرق بعد القراءة» (راجع البرواز أدناه)، تواجه معضلةً أخرى هذه السنة، تتمثّل في الغياب الكامل لهوليوود. وقد أرجع مولر في المؤتمر الصحافي الافتتاحي للمهرجان أسباب هذا الغياب إلى أزمة إضراب كُتَّاب السيناريو التي تسبّبت في تأخير مواعيد استكمال عدد من أبرز أفلام هذا الموسم في هوليوود، فيما يرجع كثيرون هذا الغياب إلى أزمة أعمق تتعلق بالمنافسة المتزايدة التي بات يمثّلها «مهرجان تورنتو الدولي» الذي يُعقد بعد «البندقية» بأسبوع واحد، وقد أصبح أكثر جاذبية بالنسبة إلى المنتجين والموزعين الأميركيين من الـ «موسترا العجوز». (سنتابع في الأسبوع ما يكشف عنه برنامج «تورنتو» لهذه السنة، لنرى إلى أي مدى سيتأكد هذا التوجه).
وكالعادة، منذ تولّى ماركو مولر إدارة الـ «موسترا»، تحظى السينما الآسيوية بمكانة مميزة، إذ تتضمن المسابقة الرسمية ثلاثة أفلام يابانية، وهي «الأرنب آشيل والسلحفاة» الذي استكمل به السينمائي الكبير تاكيشي كيتانو ثلاثيته عن أسرار الإبداع الفني ومعاناته، ثلاثيّة كان قد بدأها بـ «تاكيشي» (2005) ثم «تمجيداً للمخرج السينمائي» (2007). بينما قدّم معلّم أفلام الكرتون هاياوو مايازاكي فيلماً جديداً بعنوان «بونيو فوق الصخور، قبالة البحر». أما أوشي مامورو، فيشارك بفيلم يحمل عنوان «سبّاحون في السماء». ويضاف إلى هذا الحصاد الآسيوي فيلم رابع صيني ــــ ياباني مشترك بعنوان «دوانغكو أو مدينة البلاستيك» من إخراج يو ليك ــــ واي.
ومن التوجّهات البارزة الأخرى في هذه الدورة، حضور مميّز للسينما الإيطالية يؤكد الحراك الواعد الذي رُصد في مهرجان «كان» الأخير (الجائزة الكبرى لـ «غومورا»)، حيث تحتضن الـ «موسترا» هذه السنة أربعة أفلام إيطالية، وهي «والد جيوفانا» لبوبي أفاتي، «مراقبو العصافير» لماركو بيكيس، «زارع الخلافات» لبابي كورسيكاتو، و«يوم مثالي» للمخرج التركي الأصل فرزان أوزبتيك.

أفلام أميركية مستقلّة

من «راشيل ستتزوج» لجوناثان ديميمن «راشيل ستتزوج» لجوناثان ديميللاتفاف على الغياب الهوليوودي الذي هيمن على مهرجان «البندقية»، سعت الـ «موسترا» إلى استقطاب أكبر عدد من أفلام السينما الأميركية المستقلّة. بدءاً بفيلم الافتتاح «يُحرق بعد القراءة» للأخوين جويل وإيتان كوين اللذين فضّلا تقديمه في فينيسيا بدلاً من «كان» الذي ظلّا من زبائنه الأوفياء منذ عشرين سنة.
ولا شك في أنّ ذلك يعكس نوعاً من المرارة، بسبب عودتهما خاليي الوفاض من «كان 2007» الذي شاركا فيه برائعتهما «لا بلد للعجائز» التي خطفت لاحقاً أربعة أوسكارات.
وإذا كان فيلم الأخوين كوين قد عُرض خارج المسابقة، فإن خمسة أفلام أخرى تنتمي إلى السينما الأميركية المستقلّة دخلت السباق على «الأسد الذهبي» وهي: «راشيل ستتزوج» لجوناثان ديمي (صاحب رائعة «صمت الحملان»، خمسة أوسكارات بينها أوسكار أفضل (مخرج ـ 1992)، و«المصارع» The wrestler لدارين أرونوفسكي (بطولة ميكي رورك، كيم بازينجر وشارليز ثيرون)، وHurt Locker لكاثرين بيغلو. فضلاً عن فيلمين آخرين مصنفين أميركيين، رغم جنسيات مخرجيهما الأجنبيين، وهما «السهل المحروق» The Burning Plain للمكسيكي غيليرمو آرياجا و«فيغاس: قصة واقعيّة» للسينمائي الإيراني المغترب في هوليوود أمير نادري.
يذكر أنّ المسابقة الرسمية تضمّ 21 فيلماً ويرأس لجنة تحكيم المسابقة السينمائي الألماني فيم فندرز.

المخرج الإسرائيلي آفي مغربي «يتهم»: فتش عن الإرهابي!

المخرج الإسرائيلي في إحدى دورات مهرجان «كان» السينمائيالمخرج الإسرائيلي في إحدى دورات مهرجان «كان» السينمائيآفي مغربي حاضر في «البندقيّة» أيضاً على طريقته الخاصة، بفيلمه الجديد الذي يوجّه أصابع الاتهام الجارحة إلى المؤسسة العسكريّة الصهيونيّة، من خلال شهادة جندي سابق في الجيش الإسرائيلي. الفيلم الوثائقي الجديد الذي عُرض السبت الماضي ضمن تظاهرة «آفاق» (أوريزونتي)، يحمل عنواناً مثيراً للفضول: Z 32. إنّه رقم الملفّ الذي يضمّ شهادات مجندين شبان في الجيش الإسرائيلي عن تجاربهم القاسية خلال فترة خدمتهم في الأراضي المحتلّة، جمعتها حركة «كسر الصمت» التي أسسها بعض قدامى التساهال. في البداية يواجه الشاهد الشاب صعوبة في المجاهرة بالحقيقة، لكنّ الوضع يتغيّر بعد أن يغطي وجهه أمام الكاميرا. وسرعان ما يتحوّل ذلك إلى عنصر بصري يغني الشريط، إذ يذكّرنا المجنّد خلف قناعه في أحد المشاهد، ببطل تراجيدي في مواجهة مصيره المحتوم.
كالعادة يصوّر هذا السينمائي الإسرائيلي نفسه، مازجاً بين التسجيلي والمشاهد المركّبة، ويلجأ إلى أسلوب تهكّمي أقرب إلى السخرية السوداء. يقوم «زد 32» على بنية موسيقيّة، لتجسيد شهادة أحد المجندين، عن تصفية شرطيين فلسطينيين بريئين على يد سلاح النخبة، رداً على عملية فلسطينية أدت الى مقتل أربعة جنود في الجيش الإسرائيلي. ويصبح صاحب «من أجل عين واحدة من عينيّ» (2005)، حكواتياً يروي المأساة بالأغنية، محوّلاً صالون بيته إلى مسرح يستضيف فيه جوقة من الموسيقيين...
ويعرّف آفي مغربي (1956) فيلمه بأنّه «وثائقي موسيقي تراجيدي»، حاول فيه تغليب المشاغل الفنيّة على السياسة... لكنّ «زد 32» يبقى في النهاية صرخة احتجاج سياسية جارحة على توريط الشباب الإسرائيلي في جرائم منهجيّة بحق أبرياء... خالصاً إلى تساؤل محرج حين يأتي من فنّان إسرائيلي: من هو الإرهابي الحقيقي في نهاية الأمر؟.


عدد الاربعاء ٣ أيلول ٢٠٠٨