السعوديّة في لبنان طرابلس والمعركة الأخيرة لتوحيد السنّة (3/3)
العناق الذي لم يدم طويلاً (أرشيف ــ هيثم الموسوي)كان الثقل السلفي في لبنان دائماً أكبر من أن يُحتمل: لا القوى الأمنية ولا الاستخبارات السورية واللبنانية، ولا حتى السياسيون استطاعوا التفاهم معه، ولطالما خرجت تحذيرات علنية من دوره والخشية من وجوده، ونعتوا بالإرهاب. وفجأة، تغيرت النغمة، فبات السفير السعودي يلتقي المجموعات السلفية علناً ويدافع «علمانيّو» تيار المستقبل عنهم
فداء عيتاني
أربع دول خليجية تدعم التيارات السلفية في لبنان: الإمارات العربية المتحدة التي لا تبحث عن دور في بلد هامشي كلبنان وهي التي تَنْعَم بفقاعة مالية واقتصادية هائلة، تبدأ بالتجارة ولا تنتهي بالتصنيع وبيع الخدمات والعقارات، وقطر التي تبحث دائماً عن نجاح في الأماكن التي فشل فيها الآخرون، والكويت، الأشعرية التي تعمل على قاعدة «أسعدهم الله وأبعدهم» فتصرف المساعدات المالية لتجنب الانتشار المزعج على أراضيها، وتحثّ على التفاهم مع حزب الله بعد حملة شعواء قامت بها صحافتها على عماد مغنية، وأخيراً المملكة العربية السعودية، التي تبنّت لفترات طويلة نظرية بندر بن سلطان عن الاستفادة من الوهابية (الشيخ أسامة بن لادن) الممزوجة بالفكر الإخواني (عبد الله عزام) في سبيل تحقيق مجموعة من المصالح السياسية للمملكة حول العالم، من أفغانستان، وليس انتهاءً بليبيا ولبنان.
إلا أن لبنان لم يحتمل السلفية الجهادية وفق هذه النسخة، وانكسر تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد، ولا يزال يمكن سماع الجهاديين إلى اليوم على الأجهزة اللاسلكية يعاتبون إخوة لهم اتصلوا وداخلوا عبر شاشات التلفزة بالقول «واين كنتم حين كان إخواننا في «فتح الإسلام» يذبحون في نهر البارد؟ كنتم تجرون الاتصالات بالأجهزة الأمنية اللبنانية وتتعاونون معها».
ورغم عدم قدرة البلاد على احتمال السلفية الجهادية، فإن المملكة، وستارتها من تيار المستقبل، استخدمتا السلفية في أكثر من مناسبة وزمان، من الانتخابات النيابية في عام 2005، (ولا يدري أحد إلى اليوم كيف أمكن إقناع السلفية والمفتي أسامة الرفاعي بانتخاب ستريدا سمير جعجع)، وفي غزوة السفارة الدانماركية في التباريس، وفي التعبئة ضد العلويين قبل معارك نهر البارد وخلال اضطرابات كانون الثاني 2007، وصولا إلى مرحلة السابع من أيار حين رفع شعار الثأر لبيروت في مجرزة حلبا!
وخلال الجولات الأربع من الاشتباكات التي شهدتها منطقة باب التبانة ــــ جبل محسن كان الإعلام يصرّ، ولو دون حق، على إبراز الوجود السلفي، بينما يحدّثك من يدير المعارك في باب التبانة أن أصحاب اللحى الطويلة والسراويل العالية عن الأرض يقفون بعيداً عن نقاط الاشتباك، أو أنهم ينصبون حواجزهم على الطرق الخارجية.
وعندما انفجرت طرابلس بدماء الواقفين من جنود ومدنيين بانتظار الباص، ساد الرعب، ولا سيما بين عدد من الجمعيات السلفية، فالكثير منها، وخاصة الجمعية التي يديرها داعي الإسلام الشهال، خبرت صنوف التسمين قبل الذبح، وهو ما شهدته خلال الحرب الأهلية من اضطهاد تعرضت له على يد الجيش السوري، كما شهدته حين وقعت مجزرة الضنية، إذ طالت الشهال المطاردات الأمنية.
حين كاد داعي السلام الشهال يوزع بياناته عقب صلاة الجمعة في مساجد طرابلس محذراً من الفتنة ومحتمياً بالمرجعية السنّية سعد الحريري والدكتور أحمد فتفت، كانت الكويت تبدي موافقتها على التفاهم ما بين قوى سلفية وحزب الله، بينما تسقط مقولة سعد الحريري عن التفاوض مع أسامة بن لادن.
ويروي أحد الذين شاركوا في لقاءات الدوحة في السادس عشر من أيار الماضي، أنه التقى الحريري إلى مائدة غداء، فغمزه سعد تحبباً، وسأله «أتريدون الشر المستطير؟ ها قد أتاكم الشر المستطير». فسأله الرجل عما يعنيه، فتابع الحريري «تعاملوا منذ اليوم مع الشهال والزرقاوي». فأجابه الرجل: «ومن أخبرك أن الشهال والزرقاوي لن يضربا أولاً المعتدلين السنّة؟ وأن سائر الطوائف ليس لديها شهال وزرقاوي بين صفوفها؟»: ببساطة، كان الحريري يتحدث عن نظرية معروفة تقول إن البديل من النفوذ السوري والاعتدال السعودي والمد الإيراني والحكم الحريري لن يكون سوى القاعدة، وإن التعرض لتيار المستقبل سيأتي بأسامة بن لادن إلى بيروت!
لنعد إلى جولات الاشتباكات الأربع في طرابلس. كان المستقبل يقف خلف القوى السلفية، واضعاً تحت قيادتها أفواج طرابلس، والمجموعات التي تعمل بإمرة كنعان ناجي وداعي الإسلام الشهال وخالد ضاهر والمفتي أسامة الرفاعي، وخلف المستقبل كان يقف من يراهن على الكل معاً، وخاصة على قدرة القوى السلفية أن تلعب دور البرافان. إلا أن التفجير الذي حصل في طرابلس واستهدف خاصة عسكريين، وعدم تبني «فتح الإسلام» أو أية مجموعة سلفية جهادية له، والهلع الذي أثاره في صفوف الجمعيات السلفية ترك الفاعل عارياً وواضحاً للعيان.
وانتقل السفير السعودي عبد العزيز خوجة إلى الشمال. كان قد جرى توقيع التفاهم بين المجموعات السلفية وحزب الله، ونشبت انتفاضة إسقاطه التي تبيّن للقوى السلفية الموقعة أن التحضيرات لها تمت قبل يومين من توقيع الاتفاق، وكذلك المصارفات المالية التي خصصت لها، وهي في رأي هؤلاء السلفيين المؤيدين للتفاهم غير موجهة ضدهم ولا ضد حزب الله بقدر ما هي موجهة ضد سوريا، ومرسلة من المملكة التي لا تفوّت مناسبة مماثلة للقول إن إيران أقرب من دمشق إلى الرياض. وذهب خوجة إلى الشمال بعدما أثبت السلفيون أنهم أكثر انفتاحاً واعتدالاً من تيار المستقبل، وقد دافعوا عن بيروت أكثر مما فعل سعد الحريري والسفير السعودي، ولم يصافحوا أو يعانقوا أحداً في الدوحة بعد ما حصل في بيروت.
لكن السفير العائد من رحلة فرار بَحريّة والقادم تحت وطأة انفجار طرابلس، لم يميز جيداً بين القدرة على التعطيل، وإمكانات التحكم والسيطرة السياسيين، وهو يعلم أن الدوحة عنت خسارة طرف، لكن بلاده قلما تعترف بالخسائر، وهي تتابع بعناد نحو المزيد من النفوذ باذلة الغالي والنفيس في سبيله. وكان ذلك مفاجئاً لبعض الشخصيات اللبنانية التي راهنت على تعرض جناح عبد العزيز مقرن لضربة تبعد عن بعض الشخصيات اللبنانية شبح نفوذ آل الحريري، ما يسمح لهم بالانفكاك الهادئ عن تيار المستقبل دون أن تتضرر مصالحهم في السعودية. إلا أن ذلك لم يحصل، فاضطروا إلى مراجعة سلوكهم والعودة إلى بيت الطاعة، وجاءت زيارة خوجة إلى طرابلس، بعد دعوات وتحضيرات وترتيبات قامت بها السفارة في بيروت لتعلن على الملأ أن خطة توحيد السنّة في لبنان تحت عنوان وسطي تمهيداً للانتخابات النيابية قد انطلقت، وأن التسويات والتنازلات ممكنة، وستكون على حساب ما أعطي سابقاً لرفيق الحريري ووارثه سعد الدين دون جهد، وكل ما تريده المملكة ممن ينوون الدخول تحت ظلال نعيمها في لبنان هو الانسحاب من المعارضة المباشرة، والاعتدال لمصلحة الطائفة السنّية، والتخلي عن الشعارات العريضة، والعمل على تحصين المواقع الخاصة بالسنّة من رئاسة الحكومة إلى المواقع البرلمانية بغية تأسيس ثلث سني معطل في البرلمان.
لم يكن الشمال إلا المكان الذي انطلقت منه الزعامة الفعلية للسنّة مع انتخابات 2005، والنقطة التي زارها سعد الحريري نائباً طالباً مؤازرتها، فأعادته إلى بيروت زعيما سنّياً دون منازع. وكونها المعقل الأول، والأخير طبعاً، للسنّة، فإن الخسارة هناك من المحظورات، وتدخل المملكة لتدير المعارك مباشرة، وتجمع القوى، وتحشد الكل في لون مذهبي واحد، فليأخذ الشيعة الجنوب، ولكن من يخسر في الشمال يخسر في بيروت ولبنان، أما السلفيون فلن يكونوا أكثر من وقود مرة أخرى، سيتم حشدهم، ولو تطلب ذلك الخروج عن شعارات رفيق الحريري.
حزب الأوادم
في منتصف عهده، خرج رفيق الحريري بشعار «في لبنان حزبان، ونحن من حزب الأوادم». لم يكن يدور في خَلَد الرجل أن حزبه سيتحول إلى فتح مئات المكاتب لشركات الأمن وإلى الدفاع عن أعمال البلطجة في طرابلس وباب التبانة وأبو سمرا وعكار ومجدل عنجر وإقليم الخروب. كان للرجل موقف خاص من التديّن: لم يجاهر بالعلمانية طبعاً، إلا أن الدين شيء، والتدين المذهبي في لبنان شيء آخر. كما كان يصرّ على عدم إعطاء صورة إسلامية أو سنية عن نفسه، في طموح نحو الزعامة الوطنية الكبيرة، التي تؤهّله بحسب ما يقوله أحد مستشاريه السابقين «لأن يذكر في التاريخ كرجل أنجز الكثير للبلاد».
ولم يكن رفيق الحريري يتخيّل أنه سيضطر لخوض انتخابات عام 2000 على وقع دعاية مذهبية فرضتها عليه الدعاية المضادة الغبية التي استخدمت حينها التلفزيون الرسمي، وطبعاً لم يدر في خلد الحريري الأب أن من يعتبرونه ابناً من أبنائهم قد يتورطون في تفجير موكبه بطريقة من الطرق.








