أوساط وزاريّة: نعم هكذا يتصرّف السنيورة
جان عزيز
تروي أوساط وزارية، من أكثر من جهة وطرف، أخباراً مذهلة عن سلوكيات رئيس الحكومة فؤاد السنيورة حيال الوزراء، كما حيال أصول عمل الدولة والمؤسسات.
معظم العناوين المقصودة باتت في التداول، لكن تفاصيلها تدعو إلى ما يشبه الصدمة.
ففي رحلة مصر الشهيرة مثلاً، ذاع الكلام عن سوء التصرف الذي لحق بالوفد الوزاري. لكن الوقائع الدقيقة تظل صارخة: حطّت الطائرة على المدرج، وهي للمناسبة طائرة خاصة، لا بل خاصة جداً. فصالوناتها المتعددة مكسوّة بصور الراحل رفيق الحريري، وإقلاعها من مطار بيروت يجري على وقع طقوس دينية خاصة بأصحابها، ويجد الآخرون أنفسهم ملزمين بها، ضمن وفد حكومي رسمي، من الجمهورية
اللبنانية...
تحط الطائرة الحريرية، فيدخل موظفون لبنانيون ومصريون ليبلغوا الوزراء بأن عليهم الانتظار ثواني قليلة، بعد نزول السنيورة. ينتظرون. بعدها يجدون أنفسهم على أرض المدرج، كما في صحراء. لا موظف رسمياً واحداً لاستقبالهم، لا مضيف واحداً للسلام عليهم، لا أجير أو عامل في المطار، ليدلّهم إلى وجهة الطريق.
فجأة، رأوا في البعيد جمهرة من الناس، فقدّروا أنه الهدف، فساروا مشياً على الأقدام صوبهم.
في مبنى المطار، أُدخل الوزراء إلى إحدى الغرف. انتظروا فيها ساعة كاملة. هدد أحدهم بالمغادرة. فجاءهم موظف مصري يطيّب خاطرهم. عندها اكتشفوا أن السنيورة مختلٍ مع حسني مبارك.
بعد مرور ساعة، خرج رئيس حكومتهم من قاعة مقابلة، هبّ الوزراء لملاقاته، معتقدين أن احتجازهم قد انتهى، قبل أن يبادرهم موظف آخر بتمنّي العودة إلى غرفتهم «الإفرادية»: دولته يتجه إلى وداع قابوس. عليكم الانتظار ثوان أخرى أيضاً. ثوانٍ امتدت هذه المرة عشرين دقيقة، قبل أن يفرج عن الوزراء ويتجهوا إلى الفندق.
هناك، بدأت المرحلة الثانية من فضيحة الرحلة التاريخية: لا أجندة معدّة للزيارة، لا مواعيد مع الوزراء النظراء، لا جدول أعمال، لا أوراق عمل معدّة، وحتى لا علم بأي نشاط أو روزنامة للنهار. في إحدى اللحظات الانتظارية الثقيلة، تنامى إلى الوفد اللبناني الرسمي أن وزيراً مصرياً وصل إلى بهو الفندق، انفرجت أسارير السنيورة المنهمك بلقاء عمرو موسى، طلب من أحد الوزراء ملاقاة نظيره المصري: لكن من هو؟ ما هو موضوع البحث معه؟ لا جواب. بعد دقائق تبدّد الإحراج. بكل بساطة، لأن الخبر لم يكن صحيحاً: لا وزير مصرياً في الفندق. عاد الجميع إلى تقطيع الوقت التاريخي...
حين فوتح السنيورة بالأسئلة عن تلك الفضيحة، أجاب: صدّقوني، أنا أعرف العرب، هكذا يجب التعامل معهم من أجل الوصول إلى النتائج المطلوبة، وإن اقتضى الأمر بعض الوقت الضائع...
الوقت الضائع الذي يعتمده السنيورة في تعاطيه العربي، ينقلب تسارعاً وتسرّعاً في سلوكه اللبناني. في بيروت يتابع رئيس الحكومة شؤون وزارة من دون التنسيق مع وزيرها.
حتى إنه يستقي معلوماته من موظف «يخبره» بتطورات ملف تقني خارج لبنان، من دون الاتكال على معلومات الوزير المعني. وهو لا يجد ضيراً في إصدار بيان يتحدث فيه عن اتصاله بأحد الوزراء، فيما الاتصال لم يحصل قط.
في إحدى جلسات مجلس الوزراء، طرح الموضوع علناً وصراحة. اشتكى أكثر من وزير. تدخل رئيس الجمهورية «متمنياً» على السنيورة التزام الأصول. بعدها، قيل إن شيئاً لم يتغيّر، وقيل إن الرئيس ميشال سليمان عاود التدخل
و«التمنّي».
في زمن قريب، رفعت لافتة في بيروت الضيقة، تقول: «دولة الرئيس، رئيس الدولة فؤاد السنيورة». ثمّة سلوك يؤكد أن اللافتة نفسها لم تسقط من بعض النفوس والأذهان والتصرفات.






