بين سوريا ولبنان أزمة سيادة واعتراف متبادل أم أزمة تخاطب؟
نقولا ناصيف
تركت المواقف الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد، في القمة الرباعية في دمشق الخميس الماضي، ردود فعل سلبية متوقعة في أي حال. فالرجل، محاطاً بزعماء فرنسا وقطر وتركيا، لا يسعه إلا أن يعبّر عن نشوته بخروج بلاده من عزلتها، وهو يسمع خصوصاً الرئيس نيكولا ساركوزي يطري إيفاءه بتعهّداته له في لبنان ويراه ضرورة لتحقيق استقرار المنطقة، ولا يلحّ عليه استعجال إقامة تبادل دبلوماسي مع لبنان. ولا يسع الأسد أيضاً إلا أن ينتشي إذ لا يسمع من ساركوزي انتقادات مباشرة للسياسة الداخلية التي يتّبعها في بلاده، مكتفياً بالحديث عن مواضيع اتفقا عليها وأخرى اختلفا، وأن القمة الفرنسية ــــ السورية انتهت إلى شكر دمشق، وأن القمة الرباعية توجّهت إلى تعزيز المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل. إذذاك لا يسع الرئيس السوري إلا أن يحدّد لضيفه الرئيسي الرئيس الفرنسي، ولضيفيه الآخرين القطري والتركي، أولويات الملفات التي تضطلع سوريا بدور مؤثر فيها، وأن يؤكد ضمناً تقدّم الملف اللبناني على ما عداه في اهتمامات القيادة السورية.
في واقع الأمر أتت النبرة العالية وأسلوب المخاطبة في حديث الأسد عن لبنان ترجمة لتلك النشوة. مثل هذه النبرة مألوفة في تقاليد علاقة سوريا بلبنان عندما تكون في لحظات ضعفها كما في لحظات قوتها. لم تقتصر هذه على موقف الأسد من لبنان. قبله خبره والده الرئيس الراحل حافظ الأسد في ذروة خلافه مع الأميركيين على دوره في لبنان عندما كان ينحني للعاصفة من غير أن يُحني نبرته، وعندما كان في ذروة قوته إبان تجدّد التفويض الأميركي لدوره هذا. بل يذكر كثيرون أن سلف الأسد الأب، الرجل القوي في سوريا في النصف الثاني من الستينات صلاح جديد كان يتقن أسلوب التعامل الفظ هذا مع عهد الرئيس شارل حلو تارة بمواقف نافرة ومهدّدة وطوراً بإقفال الحدود وأحياناً بتحريك تدفق الأسلحة عبر الحدود وإرسال مخبريه إلى لبنان. كذلك من قبله قادة الانقلابات العسكرية المتعاقبة.
وقد يكون أول هؤلاء احترافاً ومراساً في مثل هذا الأسلوب من التخاطب واستخدام نبرات عالية وقاسية رئيس الاستخبارات العسكرية السورية العقيد عبد الحميد السرّاج في أدواره المتتالية في لبنان ما بين عامي 1955 و1961. حتى في عزّ جمهورية الوحدة المصرية ــــ السورية، لم يكن الرجل الناصري حتى العظم يعامل لبنان إلا بالأسلوب نفسه. ورغم عشرات الشكاوى منه، من الشهابية لدى حلفائها الناصريين العاملين في ظلّ الرئيس جمال عبد الناصر، كان السرّاج يصغي إلى الزعيم المصري لبعض الوقت قبل أن يستعيد سلوكه الفج والعنيف وغطرسته حيال لبنان. حينذاك استنتج معاونو عبد الناصر أن وفاء السرّاج للأخير وللناصرية وتشبّثه بها وولاءه لها لم يخرجه من حقيقة أنه لا يستطيع إلا أن يكون سورياً عندما يتعلق الأمر بلبنان.
لكن موقفاً من المرجعية اللبنانية الوحيدة المعنية بما قاله الرئيس السوري، وهي رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لم يصدر بعد. بعض المحيطين بسليمان يقولون إنه لم يرتح إلى أسلوب التخاطب في حديث الأسد، لكنه لم يقرّر بعد الردّ. إلا أنه في أي حال لا يعتزم الدخول في سجال من شأنه الإضرار بعلاقات البلدين في مرحلة إعادة بنائها. ذلك أن أي توضيح لما قاله الرئيس السوري تأييداً أو نقضاً له سيكون مربكاً في توقيته مقدار ما بدا ما قاله الأسد مدروساً، رغم أن الرئيس اللبناني، عندما رسم ملامح العلاقات اللبنانية ــــ السورية في خطاب القسم، أدرجها في سياق الندّية التي تجعله يقارب أي مشكلة بين البلدين على نحو متكافئ ومتوازن.
وقد يكون مصدر تريّث الرئيس في الردّ أو عدم حماسته له سببان:
أولهما أنه يفاوض الأسد على تطبيع علاقات البلدين ووضع حدّ لتدهورها، ولا يستطيع تالياً أن يكون في موقع مماثل للذي اتخذه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بأن يعدّ نفسه طرفاً مباشراً في الاشتباك مع دمشق على غرار قوى 14 آذار. ولا يستطيع سليمان أيضاً أن يقارب أول خضة مع دمشق وتجنيبها أن تصبح أول مشكلة إلا على طريقة معالجته حادث تلة سجد، بإبدائه حرصاً مزدوجاً على الجيش والمقاومة في آن واحد ما دام البديل منه مدمّراً للاثنين معاً.
ثانيهما أنه يتفق والأسد على تقويم مشترك لظاهرة التطرّف والتشدّد الآخذة في التوسّع على نحو مهدّد ويكاد يتفلّت من ضوابطه. وأكثر من أي طرف آخر اختبر سليمان الصدام مع هذا الفريق، المرة الأولى في جرود الضنية نهاية كانون الأول 1999 بعد سنة من تعيينه قائداً للجيش في مواجهة عسكرية مع المتشدّدين كانت مناسبة كي يخرج هؤلاء إلى الضوء ويدخلوا في معادلة الصراع السياسي والأمني، ويحظوا لاحقاً بدعم سياسيين ونواب مناطقهم وتمويل آخرين وتبرير ثالثين لظاهرتهم وترخيص رابعين لجمعيات وتيارات تلو أخرى. عرف المواجهة نفسها في أيار 2007 عندما واجه منظمة فتح الإسلام، ثم عندما استهدف انفجار مدير العمليات العميد فرنسوا الحاج في كانون الأول الفائت، وآخَرُ جنوداً لبنانيين في حافلة في آب. واقترنت هذه الأحداث بصدام الجيش مع الإرهاب والمتشدّدين.






