طرابلس تكسر أحاديّة التمثيل وتدخل في التوافق والتهدئة
خلال لقاء المصالحة (أ ف ب)
بعد تدخلات إقليمية ودولية، وتفاقم الأوضاع الأمنية في الشمال إلى حد إثارة القلق محلياً وغربياً وعربياً، وتنبيهات متتالية من مصر وسوريا وفرنسا وغيرها، جال سعد الحريري على أخصامه السياسيين، ووصلت عاصمة الشمال برعاية مفتيها إلى وثيقة تنهي الحالة الأمنية وتشرع في البحث في التنمية
طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
أبصرت وثيقة المصالحة الطرابلسية بين باب التبانة وجبل محسن النور في وقت متأخر من ليل أمس، خلال اللقاء الموسع الذي عقد في دارة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار، وسجل غياب النائب مصباح الأحدب، الذي استلحق الأمر ببيان مباركة، ورئيس جبهة العمل الإسلامي فتحي يكن ورئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي الشيخ هاشم منقارة من غير أن تتضح الأسباب لغيابهم، برغم توجيه الدعوة إليهم للحضور، كما سجل حضور ممثل عن الرئيس نجيب ميقاتي.
وسجل على هامش توقيع الوثيقة تحفظ النائب السابق علي عيد على توقيع الوثيقة لسبيين: الأول ورود اسم النائب بدر ونوس قبله، ما عدّه عدم حفظ اللياقات والمواقع، والثاني طلبه إيراد عبارة ممثل الطائفة العلوية مقابل اسمه، ما استدعى تدخلاً من الحريري ومن النائب السابق أحمد حبوس، وتأكيد الحريري لعيد أنه مستعد لتدوين العبارة بخط يده إذا كان الأمر يحل المشكلة، وقد أدى ذلك إلى تجاوز أزمة عدّها البعض شكلية وكادت تنسف الجهود دفعة واحدة.
إلا أن اللافت في الأمر أن ممثلي المجموعات المسلحة في باب التبانة رفضوا المشاركة في حضور حفل التوقيع، برغم اتصالات أجريت حتى اللحظات الأخيرة من غير أن تؤدي الى نتيجة إيجابية.
■ السنيورة: تأكيد ما هو قائم
استهلّ الرئيس فؤاد السنيورة كلمته باعتبار اللقاء تأكيداً «لما هو قائم منذ قيام هذه المدينة الضاربة جذورها عميقاً في التاريخ العربي والإسلامي واللبناني»، مشيراً إلى أنّ طرابلس فصل رئيسي من فصول تاريخ المنطقة ولبنان، «ولا يمكن أن تكون شوكة في خاصرة لبنان»، ذاكراً عدداً من الشخصيات الطرابلسية التي أسهمت في صناعة التاريخ اللبناني. وأشار السنيورة إلى أنّ الصورة وضحت خلال اللقاء الأخير في السرايا الكبيرة، حيث تم تحديد «ستة مسارات متلازمة اعتبرناها رؤية للتعاطي والمعالجة لهذه الأزمة العابرة، أولها تثبيت الأمن وتحقيق المصالحة السياسية والأهلية «مقدمةً لباقي البنود الإنمائية والخدماتية والاقتصادية والاجتماعية التي أخذناها على عاتقنا، والتي من شأنها أن تحصّن هذه المصالحة وأن تشكل شبكة أمانٍ اجتماعي وحياتي لأهلنا في طرابلس».
وأكد السنيورة أن المصالحة لا تعني إلغاء الاختلافات السياسية أو وجهات النظر المتعددة، بل تعني «ترسيخاً لجملة من المبادئ التي دعا إليها أبناء طرابلس وتضمنتها الوثيقة التي نجتمع حولها اليوم، ألا وهي: أن طرابلس مدينة واحدة بأهلها وبنيها وعائلاتها الروحية والسياسية، وأن الدولة هي المرجعية وهي الضامن والحامي والراعي للجميع وأن طرابلس ينبغي أن تكون مدينة منزوعة السلاح والمسلحين والشعارات، لأن السلاح بأيدي الأفراد والجماعات لا يحمي أحداً ولا يشكل ضمانة لأحد».
أما الأمر الأهم بالنسية إلى السنيورة فهو ما يتعلّق بحاجات المدينة ومطالبها، وهي «مسألة شديدة الجدية والضرورة، ولم يعد التعامل معها بتمهل يخدم الحل أو الاستقرار، إذ إن الغبن والإهمال التاريخي للمدينة ومحيطها لا يمكن التسليم أو القبول به أو تركه من دون معالجة فاعلة وسريعة ومسؤولة»، واعداً بوضع حاجات طرابلس في أولوية أولويات الدولة والمؤسسات الرسمية والمعنية، مؤكداً تنفيذ كل المشاريع التي أعدّت لهذا الموضوع.
أما في ما يتعلق بالمساعدات والإعانات والأمور الإغاثية، فأشار السنيورة إلى أنّ الجهد والالتزام بتنفيذ كل ما تطلبه لتأمين الدعم اللازم. وختم السنيورة كلمته لافتاً إلى متابعة الرئيس ميشال سليمان ورعايته لهذا الحدث باعتباره «محطة أساسية على طريق عودة الوئام وتثبيت الأمن وسلطة الدولة».
■ الحريري: العمل من خلال مؤسّساتنا ومساعدة العرب
ثم تحدث النائب سعد الحريري، مؤكداً أن الرئيس السنيورة سيقوم بكل الجهود والمساعي لـ«توفير كل ما تحتاجه المناطق المنكوبة في باب التبانة وجبل محسن والقبة والمنكوبين، وتعويض كل منزل تضرر جراء هذه الأحداث». وتمنى الحريري أن يتم تنفيذ معظم هذه الأمور قبل عيد الفطر «فيكون الجميع قد عادوا إلى منازلهم»، مشيراً إلى أنّ هذه المناطق تحتاج الى مشاريع كبرى ترفع عنها أنقاض الحرب التي شهدتها.
ثم أعرب عن استعداده والرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي وعدداً كبيراً من الفاعليات الطرابلسية، لأن «نبدأ نحن كلبنانيين، بالعمل جدياً من خلال مؤسساتنا لإقامة مشاريع، يكون جزء منها بالتعاون مع الدولة»، مؤكداً السعي مع الدول العربية الصديقة للمساهمة في هذه العملية، وعلى رأسها السعودية. وتقدم الحريري بالشكر من النائب علي عيد ونجله رفعت، والسيد أحمد كرامي لـ«الجهود التي بذلوها، ومن المشايخ الموجودين معنا، والذين سعوا لهذه المصالحة وإخوتنا السلفيين وأهل باب التبانة وجبل محسن».
وألقى المفتي الشعار كلمة قال فيها: طرابلس خطت نحو المصالحة والوئام بعزم وتصميم، ونأمل أن تخطو دولتنا نحو الإنماء والأمن وتعزيز النهضة الاقتصادية والعمرانية كما ننتظر، وذلك حتى نقطع دابر الفتنة ومسبّباتها الى الأبد، دون أن تفوتنا الاشارة الى أن هذه الفعاليات الكريمة لا تنتمي إلا الى لغة الحوار والتفاهم، وكان حضوركم المبارك لتأكيد هذه الرسالة التي تحملون.
وأضاف: إن طرابلس اليوم في أتم بهجة وهي تستحق أن تنعم بها، وإنه ليهمّنا التأكيد على دولتنا والجهات المانحة ومؤسسات الخير في بلدنا وما أكثرها، أن تباشر دون إبطاء عملية الاعمار والتعويض وما تنص عليه وثيقة طرابلس برعايتكم، التي ستكون وثيقة تاريخية تفتخر بها الاجيال وتدعو لكم لهذه المواقف المتزنة والحكيمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
إنه لقاء الإجماع الطرابلسي على وأد الفتنة، وتأكيد اللحمة، وترسيخ الانصهار الوطني. ذاك أن ما ظهر في المدينة خلال الاشهر الماضية لا يمكن أن يعبّر في حال من الاحوال عن واقع اهلها وتطلعاتهم.
■ نص وثيقة المصالحة
طرابلس بكل فئاتها وأطيافها نسيج مجتمعي واحد يؤمن بمشروع الدولة القوية العادلة.
طرابلس مدينة عريقة ضاربة جذورها في التاريخ، مارست دورها الوطني اللبناني على مدى عقود الاستقلال، وهي محضن آمن للعيش الأخوي المشترك، وأرض خصبة لحرية الرأي والفكر والمعتقد.
هي ابنة تراثها المجيد، فما عرفت التطرف والانغلاق، بل كانت دائماً رمزاً للاعتدال والانفتاح واستيعاب الآخرين. وطرابلس اليوم، ترفض كل مظاهر الفتنة، كما ترفض أن تكون مسرحاً لتصفية حسابات الآخرين على أرضها، وهي تتطلع إلى دور فاعل وأساسي للمؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش، وقوى الأمن الداخلي، بما تمثل من صمام أمان واستقرار، وعنوان للسلم الأهلي الدائم.
إن معالجة ذيول المحنة التي عبرت بالمدينة وأهلها تتطلب الخطوات الآتية:
1 ــــ اتفاق جميع القيادات والفعاليات على تثبيت السلم والأمن والاستقرار ـ بشكل نهائي ـ وعدم اللجوء تحت أي ظرف إلى العنف والسلاح.
2 ــــ اللقاء والمصالحة بين كل القوى على ساحة المدينة وبرعاية الدولة.
3 ــــ اعلان قيادة الجيش في الشمال جدولاً زمنياً لعودة كل النازحين إلى منازلهم وتأمين كل ما له علاقة بأمنهم.
4 ــــ تأمين منازل بديلة ومؤقتة للمواطنين الذين تتعذر عليهم العودة الى منازلهم ـ لعدم صلاحيتها ـ وذلك عن طريق توفير بدل إيجار لهم الى حين إصلاحها وعودتهم إليها.
5 ــــ تسريع عملية تحديد الأضرار في الأرواح والأجساد والممتلكات من قبل الهيئة العليا للإغاثة وكل المؤسسات المعنية تمهيداً للتعويض الأكيد والعاجل على المتضررين.
6 ــــ التمني على دولة رئيس مجلس الوزراء العمل على تأمين كل التعويضات اللازمة.
■ السنيورة وكرامي: الإسراع بالمصالحة لأن الأعمار بيد الله
وكان اللقاء الذي جمع الرئيسين فؤاد السنيورة وعمر كرامي، في منزل الأخير بطرابلس، قبل أقل من 3 ثلاث ساعات من موعد المصالحة التاريخية بين باب التبانة وجبل محسن، قد أظهر أن التوافق ليس قائماً تماماً في ما يخص متابعة هذه المصالحة ورعايتها، وخصوصاً في ما يتعلق بالشق المالي لناحية إعطاء تعويضات للمتضررين، وأن لا يكون الأمر مجرد مصالحة شكلية لا تصل إلى عمق المشكلة وحلها جذرياً.
فقد حرص الرئيس كرامي خلال مداخلته على تمرير أكثر من رسالة، وحشر السنيورة في الزاوية عندما أشار إلى أن عدم توفير الأموال يعني مصيبة كبيرة، وتوجه إلى السنيورة سائلاً: «هل هناك أموال، سكوتك يدلّ على أنه لا أموال؟».
إلا أن كرامي أكد أن المصالحة مهمة جليلة، وكنا نأمل أن تحصل منذ زمن لتجنيب طرابلس المآسي، لافتاً إلى أن إخلاء السلاح من المدينة أمر أساسي، فالكل تموّن وتسلّح لأن الصراع ما يزال موجوداً، مشيراً إلى أن الجانب السياسي هو الأساس في المصالحة، لأنه إذا لم يوجد قرار سياسي فلا جدوى من أيّ تحرك، مؤكداً بحكم خبرته أن كل الفئات المسلحة تنتمي إلى قرار سياسي معيّن، وعندما يتخذ قرار سياسي بحل الأزمة يحصل ذلك.
إلا أن كرامي شدّد على أن المصالحة تحصل وتترسخ من خلال 4 جوانب: قرار سياسي، ومصالحة سياسية وشعبية، وإرساء الأمن، وتحقيق الإنماء، معلقاً على دور الأجهزة الأمنية التي تشتغل بالسياسة أكثر مما تشتغل بالأمن، لافتاً إلى أنه يجب على القوى الأمنية أن تقوم بدورها وتستعيد هيبتها ، لأن الأمن مرتبط بالهيبة، وعلى الجيش حزم أمره.
ولفت كرامي نظر السنيورة إلى أن ملف المهجرين في الشمال لم يقفل منذ عام 1990، ونأمل التنفيذ بسرعة لأن الأعمار بيد الله، فردّ السنيورة ضاحكاً: الرئيس «يفاول» علينا، فردّ كرامي: أقصد عمر الحكومات، قبل أن يحصل نقاش علني بشأن هذا الموضوع استغرق دقائق.
بدوره، رأى السنيورة أن رعايته المصالحة بين أهل طرابلس تمثّل فرصة لتعميم هذا النموذج في مناطق لبنانية أخرى، لافتاً إلى أنه ستكون هناك مناقشة لتحديد كيفية المصالحة، وعلى الدولة أن تضطلع بدورها بالتعاون مع المجتمع المدني، لتوفير الأمن ومعالجة المتراكمات التي أدّت إلى تردّي الأوضاع على كل الصعد.
وأشار السنيورة إلى أن مجتمعنا يمرّ بفترة صعبة، ولبنان عانى الأمرّين منذ 3 عقود، وينتقل من مشكلة إلى أخرى ويستنزف ذلك قدراته، ورأى أن الظروف مهيّأة اليوم للمصالحة.
وشدد السنيورة على أننا لم نقم بهذا العمل بعد استشارة أحد، بل بمبادرة محلية من الأطراف كافّة، من أجل بقاء لبنان بمنأى عن الصراعات. وأكد رداً على سؤال أن السلاح أثبت أنه ليس الوسيلة التي تحمي أي مجموعة به نفسها، بل إن احترام القانون ووجود الدولة هما اللذان يحميان الجميع. ورأى السنيورة أن أربع خطوات مطلوبة لتنفيذ المصالحة وتطبيقها، وهي: جهود الإغاثة، تأمين المساعدات، معالجة الوضع الاقتصادي، وأخيراً معالجة الوضع الاجتماعي، مشيراً إلى أن الجيش والقوى الأمنية هما من سيعالج الوضع الأمني على الأرض.
المشاركون والموقّعون
شارك أمس في الاجتماع المسائي الذي عقد في منزل مفتي طرابلس والشمال، مالك الشعار، للتوقيع على وثيقة المصالحة كلّ من: رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، الرئيس عمر كرامي، عبد الله ميقاتي، الوزير محمد الصفدي، والنواب: سمير الجسر، أحمد فتفت، قاسم عبد العزيز، محمد عبد اللطيف كبارة، مصطفى علوش، بدر ونوس والنائب السابق أحمد حبوس، اللواء أشرف ريفي، العميد توفيق يونس، العميد عبد الحميد درويش، النائب السابق علي عيد، ممثل جبهة العمل الاسلامي الشيخ بلال شعبان، ناصيف قالوش، رشيد جمالي، عبد القادر علم الدين، العقيد بسام الأيوبي، اللواء يحيى رعد، الشيخ حسن الشهال والشيخ داعي الإسلام الشهال والوزير السابق عمر مسقاوي.
اتّصالات تشجيعيّة من أجل الاستقرار
من قصر بعبدا، تابع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، تطوّرات اللقاءات والاتصالات الجارية للتوصل إلى المصالحة. وأجرى سليمان اتصالات بكل القيادات «دون استثناء»، كما قال مصدر متابع، بهدف متابعة مجريات خطوات المصالحة. وأشار المصدر إلى أنّ الرئيس «شجّع هذه القوى على إسناد ما يهدفون إليه للتوصل إلى الأمن والاستقرار في الشمال».
تعميم المصالحة في سائر المناطق
حيّا الرئيس الدكتور سليم الحص في تصريح باسم «منبر الوحدة الوطنية»، النائب سعد الحريري ومفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار «على الإنجاز العظيم الذي استطاعا تحقيقه بوضع وثيقة المصالحة». ورأى أن من شأن هذه الخطوة قطع دابر الفتنة، و«هي سترسي قواعد المصالحة التي يمكن ويجب أن تتم في سائر المناطق اللبنانية».
العبرة: العيش معاً في كنف الدولة
رغم وجوده في الخارج، أيّد الرئيس نجيب ميقاتي الجهود المبذولة لـ«إنهاء النزاعات الدموية التي دفعت ثمنها المدينة وجميع أبنائها من دون استثناء». ودعا الى تحصين المصالحة من خلال معالجة كل جوانب الأزمة والإسراع في دفع التعويضات للمتضررين. وشدد على أنّ العبرة الأهم هي «أن قدرنا العيش معاً في كنف الدولة».
اقتران المصالحة السياسيّة بأخرى شعبيّة
أمل الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي، الشيخ بلال شعبان، أن تنعكس هذه المصالحة على العلاقات العربية ـــــ العربية ليكون الوفاق هو العنوان الداخلي والخارجي، معتبراً «أن من شروط صحة هذا الاتفاق أن يلحق بمصالحة شعبية»، كما دعا إلى الإعمار السريع لإعادة ما خرّبته الحوادث في جولات القتال الأربع التي جرت.







