العريضي يشيّع اليوم... استنكار عام واتّصالات لاحتواء الانفعالات

نسوة ينتحبن على العريضي في بيصور أمس (رمزي حيدر ــ أ ف ب)نسوة ينتحبن على العريضي في بيصور أمس (رمزي حيدر ــ أ ف ب)
شُغلت بلدة بيصور والقرى القريبة بترتيبات تشييع الشهيد صالح العريضي اليوم، فيما كان الجبل وبقية لبنان يبحثان عن جواب للسؤال الصعب عمّن يقف خلف الجريمة الرهيبة وأبعادها. برغم الإجماع على منع قيام الفتنة
منذ ساعات الصباح الباكر، كان أهالي بلدة بيصور في قضاء عاليه وقيادة الحزب الديموقراطي اللبناني يتقبلون التعازي بالشهيد العريضي الذي لم تشر التحقيقات الأولية إلى جديد نوعي غير الإشارات التقنية إلى أن التفجير يشابه بعض عمليات الاغتيال التي وقعت سابقاً. ولم يجر الحديث عن عناصر استثنائية في التحقيقات التي تتولاها أجهزة أمنية عدة، بينما كان هناك توافق سياسي على أن يحيل مجلس الوزراء في أول جلسة له الجريمة إلى المجلس العدلي.
وشكلت العودة السريعة للوزير طلال ارسلان من الخارج، مناسبة لسلسلة من الاتصالات الهادفة الى منع حصول انعكاسات للجريمة واحتواء ردود الفعل الشعبية العفوية أو المنظّمة التي كادت تخلق مناخات متوترة وخصوصاً في تلك المنطقة التي تشهد تباينات سياسية وتنوعاً في الحضور الحزبي.
ومنذ الصباح، توجه ارسلان إلى بيصور لتقبل التعازي الى جانب عائلة الشهيد التي تقدمها والد الشهيد الشيخ فرحان العريضي والوزير غازي العريضي وقيادات محلية. وقال أرسلان في كلمة تأبينية «إن الرسالة وصلت، وكان المطلوب أن تعمّ بذور الفتنة في الجبل». وتوجه إلى الشهيد بالقول: «أعتبرك اليوم شهيد المقاومة وشهيد وحدة الجبل، لأنه لا كرامة لأحد في الجبل بدون وحدة الجبل. ووحدة الجبل التي بدأناها نحن وإياك في 7 أيار بالتعاون مع وليد بك جنبلاط، وبالتعاون مع سيد المقاومة، سوف نستمر بها ولن نقبل أن تحصل ضربة كف في الجبل، لأن كرامة الوطن هي من كرامة الجبل». وأعلن أنه طلب من الرؤساء الثلاثة «إحالة الملف في أول جلسة لمجلس الوزراء على المجلس العدلي ولا أقبل تحت أي سقف إلا بذلك».

الليل القاسي والوالد الجبّار

وكانت بيصور قد استفاقت على هول الكارثة، بعدما أمضت ليلاً طويلاً جداً تلملم جراح الانفجار الذي استهدف أحد أبرز أبنائها. منذ التاسعة من مساء يوم الأربعاء بدأت مرحلة جديدة لم تكن البلدة معتادة عليها، والأسئلة الصعبة عكست القلق والخوف والحيرة وفقدان الأمان، علماً بأنه سبق أن مرت على بيصور ظروف صعبة، لكنها لم تشعر بالغرابة والحيرة كما الآن.
مع انطلاقة الدويّ، ساد اعتقاد بأن قارورة غاز قد انفجرت. وما لبثت الدقائق القليلة التالية أن دفعت بالجميع الى الشارع «لقد اغتالوا الشيخ صالح». طرق البلدة الرئيسية والفرعية سرعان ما أقفلت من الازدحام الشديد من أبناء البلدة والجوار، السيارة تحترق وشبان يحاولون عبثاً نجدة الشيخ ولم يفلحوا، أخرجوه من السيارة وقد تشوّه الجسد من ضغط الانفجار، تجمّع المئات وارتفع الصراخ بكل الاتجاهات، وبدأت طلقات نارية تسمع بكثافة. لقد أفلتت الأمور من عقالها، وها هو والد الشهيد المرجع الروحي الكبير يخرج الى الجماهير من شرفة المنزل، صارخاً بأعلى صوته أن «يتوقف هذا الهرج، إذا ما أتى غريمنا إلينا في هذه اللحظة وقال أنا من قتل صالح فإنني أسامحه ولن أقبل بمسّه، شهيدنا هذا قدره، واليوم انتهى عمره. فالمقدر محتوم والأعمار بيد الله». ورمى الحرم على كل من يتلفظ بكلمة نابية أو مسيئة أو يطلق النار أو يؤجج أي نوع من الضغينة، وهي كانت لحظة الصمت. ثم توالى وصول رفاق الشهيد وبعد دقائق يصل النائب وليد جنبلاط. وكان قد سبقه ابن البلدة ونسيب الشهيد الوزير غازي العريضي وقيادات الحزب الاشتراكي ووفود من المشايخ والفاعليات.
وأعلن الحزب الديموقراطي اللبناني، وأهالي بيصور، أن مراسم الدفن ستتم اليوم الجمعة عند الواحدة ظهراً، في مسقط رأس الشهيد، بيصور، حيث يلقي ارسلان وجنبلاط كلمتين في المناسبة. كذلك تقبل التعازي يوم الأحد في 14 الجاري، بدارة الوزير ارسلان في خلدة ابتداءً من الساعة العاشرة صباحاً، وأيام السبت والاثنين والثلاثاء والأربعاء في القاعة الشمالية ـــــ بيصور، من الساعة الحادية عشرة صباحاً حتى الساعة السادسة مساءً.

ردود الفعل داخليّاً وخارجيّاً

من جهته اتصل رئيس الجمهورية ميشال سليمان بالشيخ أبو صالح فرحان العريضي معزياً وداعياً إلى «التضامن لتفويت الفرصة على الذين يتربصون بلبنان». واتصل النائب سعد الحريري بالوزير أرسلان معتبراً أن الجريمة «مؤامرة علينا جميعاً». كذلك اتصل الرئيس عمر كرامي مسنتكراً «العمل الإجرامي الجبان».
وأدان حزب الله «الجريمة الآثمة التي تأتي في أجواء المصالحة، ما يدلل على وجود جهات متضررة من العودة إلى الاستقرار والهدوء، في إطار خدمة المشروع الاسرائيلي». ودعا «الجهات الأمنية والقضائية المختصة إلى إيلاء هذه الجريمة أقصى الاهتمام للتوصل إلى كشف المجرمين».
وأكد عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي أن العريضي «هو شهيد المقاومة واتخذ مواقف صلبة للحفاظ على المقاومة»، معرباً عن اعتقاده بأن «الجهة التي نفذت الجريمة ليست لبنانية»، متهماً «الموساد الاسرائيلي، الذي يمكن أن يكون نفذ بأياد لبنانية».
ورأى النائب علي حسن خليل أن الجريمة «يجب أن تكون حافزاً وتأكيداً لنا جميعاً لنستمر بالسير باتجاه تعزيز مناخ الاستقرار والوحدة الوطنية الداخلية». ورأى الحزب الشيوعي اللبناني أنها بمثابة رد «على كل محاولات العودة بالوضع اللبناني الى مسالك الحوار وتطويق الفتنة».
ودعا شيخ العقل نصر الدين الغريب «أبناء الطائفة الدرزية الى التماسك والتوحد لإبعاد شبح الفتنة، وليأخذ القضاء دوره». واستذكر النائب مروان فارس تضحيات العريضي الذي «كان جزءاً أساسياً من المعركة ضد العدو الصهيوني». كذلك استنكر التنظيم الشعبي الناصري «جريمة بيصور التي تتجاوز الحزب الديموقراطي اللبناني إلى الوطن».
ورأى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان أن «الجريمة تحمل بصمات إرهابية تتصل بالأيدي الإسرائيلية».
كذلك رأى رئيس تيار التوحيد وئام وهاب «أن الجريمة الخبيثة لم تكن تستهدف هذا المناضل الكبير، بل الجهود المبذولة لإعادة الجبل الى ثوابته الوطنية والقومية».
ونعى النائب أكرم شهيب الشهيد فهو «رفيق نضال طويل، وعامل جمع وتوحيد لا تفريق». ورأى النائب مروان حمادة أن يد الغدر امتدت «إلى هذا الجبل الأشمّ لتغتال واحداً من أشرافه الكبار». وقال وزير الأشغال غازي العريضي إن الاغتيال «رسالة موجهة الى الوزير ارسلان والنائب جنبلاط»، مشدداً على «أن العمل على الأرض مشترك مع أرسلان لمنع وقوع الفتنة».
من جهته رئيس حزب الكتائب أمين الجميّل ندّد بـ«اغتيال أبرز وجوه الحوار الدرزي ـــــ الدرزي»، واعتبره «ضربة موجهة ضد المصالحة».
ورأت القوات اللبنانية «الجريمة بأسلوبها وتوقيتها محاولة واضحة لضرب السلم الأهلي في منطقة الجبل».
ومن الخارج أدانت سوريا «العمل الإجرامي الإرهابي»، وأعلنت أنها «تثق بأن مثل هذه الجرائم التي تستهدف أمن لبنان واستقراره لن تنجح في تحقيق أهدافها».
كذلك استنكر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عملية الاغتيال، معتبراً أنها «تستهدف زعزعة الاستقرار في لبنان ونسف الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة»، مطالباً «مختلف الأطراف بضبط النفس وتجاوز الاحتقانات».
وجزم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية حسن قشقاوي بأن عملية الاغتيال «تأتي في إطار تحقيق مآرب الكيان الصهيوني في المنطقة»، مشدداً على «ضرورة التضامن والوحدة الوطنية في لبنان». وكذلك أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك أن «الولايات المتحدة قلقة جداً من العنف الأخير في لبنان»، مشيراً إلى أن دعمها «للحكومة اللبنانية ومؤسساتها الديموقرطية ثابت».
وطالبت فرنسا بـ«كشف ملابسات هذا التفجير»، وأكدت «التزام الرئاسة الأوروبية بالوقوف إلى جانب لبنان في محاربة إفلات منفذي الأعمال الإرهابية من العقاب». كذلك استنكر التفجير وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتّيني، ووصفه بـ«العمل الإرهابي» الذي يعرقل «مسيرة الحوار بين الافرقاء اللبنانيين المتنازعين»، مشجّعاً «سوريا على الاضطلاع بدور فاعل في الشرق الأوسط».

توضيح الحزب التقدمي

أصدرت مفوضية الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي بياناً قالت فيه: «نشرت جريدة «الأخبار» في عددها الصادر في صباح اليوم الخميس 11 أيلول 2008 مقتطفات من دردشة طويلة أجريت مع رئيس الحزب وليد جنبلاط، وتضمنت جملةً من المغالطات والأفكار المحرّفة التي خرجت عن القصد المراد منها، وخصوصاً أنها أتت في سياق لقاء غير رسمي لم يكن الهدف منه الإدلاء بتصريحات صحفية بقدر ما كان يصبُّ في إطار نقاش عام حول القضايا المطروحة. لذلك تأسف مفوضية الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي لقيام الصحفيين الذين زاروا رئيس الحزب بنقل ونشر وقائع اللقاء بما يخالف الترتيب السابق الذي كان قد اتفق عليه، وترى أن تحوير المضمون إنما هدف إلى الإيقاع بين الحزب وبعض الحلفاء في 14 آذار الذين تبقى العلاقات معهم ثابتة وراسخة بمعزل عن أية محاولات للتفريق بينهم، وتغتنم هذه المناسبة لإعادة التأكيد على صلابة التحالف السياسي لقوى 14 آذار. وإذا كان بعض الكلام قد اعتبر مسيئاً لرفيق الدرب الشيخ سعد الحريري، فإن هذا البيان هو بمثابة تصحيح وتوضيح لما أسيء نقله وتم تحريفه، وهو لن يؤثر على العلاقة التاريخية بين الحزب الاشتراكي وتيار المستقبل التي انطلقت مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتستكمل الآن مع الشيخ سعد الحريري دون أن تنعكس عليها أية محاولات سلبية من هنا أو هناك».
المحرّر:
إن ما ورد في «الأخبار» قاله النائب جنبلاط تماماً، ولكن ربما لم يكن اللقاء في سياق مقابلة صحفية بالمعنى التقليدي. وإذا كان ما نشر قد تسبّب بإحراج لرئيس الحزب التقدمي أو معاونين له مع حلفاء له، فإن البيان الوارد أعلاه تضمّن ما يراد من توضيح. أما «الأخبار» فتمتلك من الجرأة الأدبية ما يكفي لأن تعتذر من قرائها لأنها سارعت إلى إطلاعهم على كواليس الحياة السياسية ولو على حساب الأعراف المهنيّة.



الاغتيال هدفه الفتنة الدرزية ــ الدرزية

أكد رئيس الحكومة، فؤاد السنيورة، أن من اغتال العريضي «يريد إزاحة الشخص الذي كان يلعب دوراً في عملية التوفيق بين الزعيمين الدرزيين: النائب وليد جنبلاط والوزير طلال إرسلان، وبالتالي يريد إيصال رسالة بأن الاتفاق والتصالح ممنوعان».
وقال السنيورة في حديث تلفزيوني أمس: «جاءت هذه العملية لتخلق مجالاً لفتنة درزية ـــــ درزية، وأكثر لتقتل الأمل بين اللبنانيين».
وأكد على وجوب إحالة الجريمة إلى المجلس العدلي، معتبراً أيضاً أن ما حصل يعدّ رداً على ما جرى في طرابلس.

لبنان وأميركا... العزاء مشترك

أحيت السفيرة الأميركية في لبنان ميشال سيسون الذكرى السابعة لحوادث 11 أيلول، في مقر السفارة الأميركية في عوكر، فتذكّرت «جميع الذين سقطوا من أكثر من 90 بلداً، بما فيها الولايات المتحدة ولبنان».
ودعت سيسون «اللبنانيين والأميركيين لمواصلة العمل معاً لوضع حد للإرهاب غير الإنساني والذي لا معنى له، وللأعمال الإرهابية التي تهدد طريقة عيشنا».


عدد الجمعة ١٢ أيلول ٢٠٠٨ | شارك