ضريح المقاوم وكتابة التاريـخ

إسكندر منصور *
من احتفال ذكرى إطلاق جبهة المقاومة يوم الأحد الماضي (مروان طحطح)من احتفال ذكرى إطلاق جبهة المقاومة يوم الأحد الماضي (مروان طحطح)ضريح المقاوم مساحة من أرض الوطن وصخرة يحتمي وراءها المقاومون الأحياء، وأساس متين ينهض عليه بناء المستقبل. إنه نصّ أصيل في تاريخ لبنان ومستقبله، وأرض محررة يرقد فيها الأحرار فقط. قصة ترويها الأجيال عاماً بعد عام لأجيال لم تولد بعد. شاهد حيّ على الالتصاق بتراب الوطن وقدسيّتة. مدافن المقاومين المنتشرة في شمال لبنان وجنوبه، في شرقه وغربه، تغطي الجهات كلها، علامة صادقة على وحدة هذه الأرض ومن يسكن عليها. ضريح المقاوم هو «آخر الطلقات» في جسد الكانتونات ــ «الجاهزة» للإعلان عن نفسها ــــ وإلى أي لون انتمت. مخطئ من يظنّ أن محاولة «المسيحيين» الفاشلة لبناء كانتون كانت وستكون آخر المحاولات عند اللبنانيين. فالمحاولات ما زالت ناشطة وجارية ومستمرة؛ وما جرى ويجري في الشمال وطرابلس يندرج في صميم هذا الاتجاه. وكما في الشمال، كذلك في كل الجهات. مقاومو جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة جمعَهم همّ التحرير والتغيير؛ ليس فقط لأنه واحد بل لأنهم عرفوا من البداية أنّه ليس هناك تحرير كامل وحقيقي دون تغيير كامل وحقيقي. فإسرائيل التي أرغمتها، أولاً جبهة المقاومة الوطنية اللبنانيّة ولاحقاً المقاومة الإسلاميّة، على الانسحاب من لبنان حتى حدود مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ستعود إليه إن لم تكن قد عادت بعد، ليس عسكرياً بل من خلال نظامه الطائفي الهش المسهِّل لتسلل الخارج إلى داخله؛ وخاصة إذا كان الخارج في أساس دعوته الصفاء والتطهير الطائفي وإلغاء الآخر.
لقد لاقت هذه الدعوة ولا تزال، آذاناً صاغية في بداية الحرب الأهليّة ولكن في هذه الأيام تمدّد هذا الإعجاب والانبهار بدعوة الصفاء الطائفي كالمرض الخبيث ليشمل لبنان كله. إذاً وجب القول بأنّ تحرير الأرض، على أهميته الفائقة هو تحرير ناقص ما لم يتلازم مع التغيير؛ وليس أي تغيير، بل إنّه تغيير نقيض لروح الصهيونيّة ودعوتها الصريحة إلى التفتيت وإقامة الكانتونات الطائفيّة والإلغاء.
إنّ الإصرار على فصل مهمة التحرير عن التغيير من جانب نظام الوصاية وحلفائه في الطائفة المقاومة كان أحد الأسباب الرئيسيّة لفرض الانكفاء القسري على جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة، وخاصة بعدما رفضت قيادتها أولاً الانخراط في «حرب المخيمات» إلى جانب حركة أمل ضد سكّان المخيّمات الفلسطينية. وثانياً: رفضت قيادة المقاومة أن تكون عملياتها تحت إشراف السوريين. وهكذا قسموا لبنان: طائفة للمقاومة وطائفة للبناء والتجارة وطائفة عميلة مهمشة بعدما أساءت حكم بلد وُجد من أجلها. لقد فهم مقاومو جبهة المقاومة المهمة والدور على أنها مهمة مزدوجة لا بل واحدة هي التحرير والتغيير. ولهذا استُشهدوا في مواجهة العدو من أجل التحرير، والبعض منهم قادة ومفكرون اغتيلوا من أجل دفع مهمة التغيير إلى الأمام.
وفي الأمس القريب، عبثت بهدوئهم قوى الظلام فطُليت بالسواد صور وجوههم علّها تخفي حضورهم وشعاع بصيرتهم ليس فقط من أجل إعادة كتابة تاريخ المقاومة بقلم الطوائف، وهذا ما توقّف ولو للحظة واحدة، بل من أجل أن يرفرف اللون الواحد فوق السطوح وعلى الطرقات وأعمدة الكهرباء. فهناك اللون الأسود والأخضر وألوان أخرى ستظهر من جديد بعدما انكفأت لفترة طويلة. فهنا الألوان لا ينفي بعضها بعضاً، ولا تعارض بعضها مع بعض، بل تحدِّد بعضها بعضاً وتضفي «شرعيّة» بعضها على بعض ويكمّل بعضها بعضاً في مشروع واحد يتنشّق الهواء نفسه، يقرأ في الكتاب نفسه، ويستمد عزيمته وشرعيته من المفاهيم والمقولات نفسها. عيون المقاومين لا ترى ألوان الطوائف بل لون الوطن الواحد.
من مدافنهم كانوا يرون ويتابعون عمل لجنة الحوار الأولى وبغضب كانوا يستمعون إلى خطب التعبئة والتحريض؛ كما أنهم كانوا يتابعون بألم العمليات العسكريّة «المحدودة» كما سمّيت في بيروت والجبل، ومن مدافنهم كانوا يشاهدون مسرحيّة الدوحة ومشاهد تهميش وتغييب المواطن الحر من أجل إعلاء شأن الطائفة، كيان المستقبل. وأخيراً من وراء الطلاء الأسود، سيتابعون جلسات الحوار والمشهد الثاني للمسرحيّة نفسها، ومحاولات إعادة كتابة تاريخ المقاومة. فها هي إسرائيل قد انسحبت من الجزء الأكبر والجنوب قد لُزِِّم من خلال عقد طويل الأمد وأُبعد الحزب الشيوعي عام 2004 حتى عن استقبال الأسرى المحرّرين وبينهم أنور ياسين، كما كانوا قد أبعدوا قبلاً عن الندوة البرلمانيّة.
كل هذه الخطوات كانت مؤشراً إلى زرع وعي جماعي جديد وإعادة كتابة تاريخ المقاومة للاحتلال الإسرائيلي قوامه كل مقاومة ما عدا المؤمنة منها مقاومة جاهليّة. فمع صعود التيارات السياسيّة الدينيّة وتراجع اليسار اللبناني العلماني المستقل، بقيت المدافن تشهد لعصر المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة وتاريخها ومنجزاتها وتدحض من يعيد كتابة تاريخ المقاومة على أنها مقاومة دون تاريخ؛ فأصبحت المدافن هدفاً لإزالة الشاهد وكتابة النصّ الأخير من تاريخ المقاومة. بالرغم من أهميّة هذا الماضي وريادته وشهادته، على اليسار، وخاصة الحزب الشيوعي اللبناني أن يكون صريحاً مع ذاته بأنّ العمل في سبيل استعادة «ملكه» ودوره الضائع لا يكون فقط بإلقاء اللوم إما على قوى الوصاية السوريّة وحلفائها من القوى الدينيّة التي مارست المقاومة في مرحلتها الأخيرة بصدق وإخلاص وتفان، أو بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي على الرغم من أهميّة هذه العوامل، بل بوقفة شجاعة يستعيد بها روحيّة النقد الذاتي الصارم على جميع الصعد النظري منها والممارسة، وخاصة أنه خطا الخطوات الأولى في مؤتمره السادس وأنه الآن على أبواب مؤتمره العاشر.
إنّ الرد الآني لما حدث في كفررمان لا يكون فقط بتلقي مكالمات الاستنكار والشجب، بل أولاً بالمطالبة بالاعتذار من الشهداء وأهلهم وأصدقائهم ورفاقهم من أهل اليسار العلماني الذي بادر إلى إطلاق جبهة المقاومة الوطنيّة من خلال النداء التاريخي الموقّع من الشهيد جورج حاوي ومحسن إبراهيم.
ثانياً: الدعوة لقوى اليسار عامة، وخاصة الجنوبيّة منها وأصدقاء جبهة المقاومة لصياغة برنامج سياسي انتخابي واضح المعالم في صلبه التصدي للهيمنة الثنائيّة في الجنوب، ليس من باب «العداء» «للمقاومة الإسلاميّة» بل من أجل استرتيجيّة دفاعيّة تحتضن المقاومة، يكون عمادها الجيش والشعب والمقاومة فعلاً لا قولاً؛ ووصل ما انقطع من أوصال هذا الوطن بين جهاته الأربع.
إنّ الخلاف على تاريخ المقاومة أولاً وأخيراً ليس خلافاً على ماضٍ ناصع ولّى بل هو خلاف على مستقبل لبنان ووجوده كوطن مستقل ديموقراطي عربي علماني لكل أبنائه.
* كاتب لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركيّة


عدد الاربعاء ٢٤ أيلول ٢٠٠٨